شهدت ألمانيا، يوم الأحد 20 سبتمبر 2026، تحولاً كبيراً في مشهدها السياسي بعد نتائج انتخابات ولايتي مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين، والتي جاءت بمثابة صفعة قوية لحزب المستشار فريدريش ميرتس، في حين منحت أحزاب الأطراف المتطرفة مكاسب تاريخية غير مسبوقة.
في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن الواقعة شرق البلاد، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) اليميني المتطرف فوزاً ساحقاً بحصوله على 38.2% من الأصوات، ليتصدر نتائج الانتخابات بفارق مريح عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD) الذي حل ثانياً بنسبة 35.5%. وتوزعت بقية الأصوات على حزب اليسار بنسبة 6.5%، وحزب الخضر بنسبة 5.7%، بينما جاء حزب “تحالف سارا فاغنكنيشت” في المرتبة الأخيرة بنسبة 4.8%.
لكن المفاجأة الكبرى تمثلت في النتيجة الكارثية التي مني بها الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) بزعامة المستشار ميرتس، إذ لم يتمكن من تجاوز عتبة 5% المطلوبة لدخول البرلمان الإقليمي، محققاً بذلك أسوأ نتيجة في تاريخه الممتد 81 عاماً. ولم يسبق للحزب أن سجل نسبة متدنية كهذه في أي انتخابات ولاية أو اتحادية أو أوروبية، إذ كان أدنى مستوى سابق له 9% في ولاية بريمن عام 1951. واعترف ميرتس بأن النتيجة تمثل “كارثة” حقيقية، غير أنه شدد على أنه لا يعتزم الاستقالة، متعهداً بالمضي قدماً في برامج الإصلاح التي أطلقها.
وفي العاصمة برلين، كتب حزب اليسار (Die Linke) فصلاً جديداً في تاريخه بحصوله على 25.3% من الأصوات، محققاً أفضل نتيجة له على الإطلاق في الولاية، ومتجاوزاً الحزب الديمقراطي المسيحي الذي حل ثانياً بنسبة 19.0%، وهو تراجع كبير عن نسبة 28.2% التي حققها عام 2023. وجاء حزب البديل من أجل ألمانيا في المرتبة الثالثة بنسبة 16.3%، يليه حزب الخضر بنسبة 14.4%، بينما حل الحزب الديمقراطي الاجتماعي في المرتبة الأخيرة بنسبة 12.1%، وهو أدنى مستوى له في تاريخ انتخابات برلين.
وأعلنت إليف إيرالب، مرشحة حزب اليسار لمنصب العمدة الحاكمة، عزمها تولي المنصب وتنفيذ وعودها الانتخابية، وفي مقدمتها تحويل ملكية شركات الإسكان الكبرى إلى الملكية العامة، وهو الملف الذي شكّل محور حملتها الانتخابية.
اهتمت الصحف الألمانية الصادرة صباح الاثنين بتحليل هذه النتائج وتبعاتها على المشهد السياسي. وكتبت صحيفة “نويه أوسنابروكر تسايتونغ” في تعليقها: “المتطرفون اليمينيون هم الفائزون الكبار في شفيرين، والمتطرفون اليساريون هم الفائزون في برلين. ألمانيا لن تصبح أسهل في الحكم بهذه الطريقة”، في إشارة إلى الاستقطاب الحاد الذي بات يسم المشهد السياسي.
أما صحيفة “فرانكفورتر روندشاو”، فرأت في فوز اليسار ببرلين دليلاً على أن “البديل يسارياً” لليمين المتطرف يمكن أن ينجح انتخابياً، مشيرة إلى أن الجمع بين الاحتجاج الاجتماعي ومحاربة اليمين قادر على تحقيق انتصارات انتخابية، في تناقض واضح مع الاستراتيجية التي انتهجها الحزب الديمقراطي الاجتماعي في الآونة الأخيرة.
يأتي هذا الفوز الثاني لحزب البديل من أجل ألمانيا خلال أسبوعين فقط، بعد فوزه الكبير في ولاية ساكسونيا-أنهالت في وقت سابق من الشهر الجاري. ورغم تصدره نتائج الانتخابات، يواجه الحزب صعوبة في تشكيل حكومة ولاية بسبب رفض جميع الأحزاب الأخرى التعاون معه، وهو ما يُعرف في ألمانيا بـ”جدار الحماية السياسي”.
وفي ظل هذه النتائج المتلاحقة، يواجه المستشار ميرتس ضغوطاً متصاعدة داخلياً، خاصة بعد أن أظهر استطلاع للرأي أن 13% فقط من الألمان راضون عن أدائه، وهو أدنى مستوى يحققه أي مستشار في تاريخ البلاد. وتجلى حجم الأزمة في قرار ميرتس إلغاء رحلته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ليتفرغ للتعامل مع تداعيات هذه النتائج التي قد تلقي بظلالها على مستقبل ائتلافه الحكومي ومستقبله السياسي على المدى البعيد.



