أظهر تقرير “إرسال الأموال إلى الوطن 2026” الصادر عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أن التحويلات المالية العالمية إلى الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط بلغت 728.6 مليار دولار في عام 2025، أي ما يقارب ضعف مستواها قبل عشر سنوات، وأن هذه التدفقات تربط نحو 1.3 مليار شخص حول العالم، بينهم 220 مليون مهاجر يدعمون حوالي 1.1 مليار من أقاربهم.
وتجاوزت التحويلات مجتمعةً المساعدات الإنمائية الرسمية والاستثمار الأجنبي المباشر معاً، مما يجعلها واحدة من أكبر مصادر التمويل الخارجي وأكثرها استقراراً لهذه الاقتصادات، لأنها تنبع من التزامات عائلية وليست من حسابات الربح والخسارة.
ووصل ما يقارب ثلث هذا المبلغ، أي نحو 233 مليار دولار، إلى المناطق الريفية التي تشكو غالباً من ضعف الخدمات المالية والبنية التحتية، بينما استُخدم 75% من إجمالي التحويلات لتغطية احتياجات فورية كالغذاء والسكن والفواتير، وخصص الربع المتبقي، الذي يفوق 180 مليار دولار سنوياً، لأغراض طويلة المدى مثل التعليم والصحة والادخار وإنشاء المشاريع الصغيرة.
وتوزعت التدفقات العالمية على مناطق خمس بفوارق واضحة في الوتيرة والحجم، إذ حافظت آسيا والمحيط الهادئ على موقعها في صدارة المتلقين بنحو 384.9 مليار دولار أي 53% من الإجمالي، وسجلت أمريكا اللاتينية والكاريبي أسرع نمو نسبي بلغ 132% لترفع حصتها إلى 23%، بينما نمت تحويلات أفريقيا بنسبة 86% لتصل إلى 124.2 مليار دولار، وجاءت أوروبا عند 30.2 مليار دولار والشرق الأدنى والقوقاز عند 20.7 مليار دولار بنمو متواضع لم يتجاوز 4%.
وتصدرت الهند قائمة الدول المتلقية بـ150.7 مليار دولار تليها المكسيك ثم الفلبين ومصر وباكستان، في حين بلغت نسبة الاعتماد على التحويلات من الناتج المحلي الإجمالي مستويات لافتة في اقتصادات صغيرة مثل طاجيكستان (58%) وتونغا (39%) ولبنان (33%).
وعلى صعيد التكاليف، انخفض المتوسط العالمي لإرسال 200 دولار من 7.4% في 2016 إلى 6.4% في 2025، وهو تقدم حقيقي لكنه يبقى أكثر من ضعف هدف التنمية المستدامة المتمثل في أقل من 3%، مع تسجيل الخدمات الرقمية بالكامل تكلفة 4.6% مقابل 7.3% للخدمات غير الرقمية، وهو فارق يفسر التحول المتسارع نحو القنوات الرقمية التي استحوذت على أكثر من نصف قيمة التحويلات لأول مرة.
أما في الجزائر، فيكشف التقرير أن التحويلات الرسمية الواردة بلغت 1.799 مليار دولار في 2025، أي ما يعادل 1% فقط من الناتج المحلي الإجمالي و4% من الصادرات، وهي حصص متواضعة مقارنة بدول الجوار. والأمر اللافت أن الجزائر كانت الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا التي تراجعت تحويلاتها خلال العقد الماضي بنسبة 10%، في وقت نمت فيه تحويلات مصر بنسبة 123% والمغرب بنسبة 114% وتونس بنسبة 79%، كما خرجت الجزائر من قائمة أكبر خمس دول متلقية في القارة لتحل في المرتبة الحادية عشرة قارياً.
غير أن هذا التراجع في الأرقام الرسمية لا يعكس بالضرورة انخفاضاً في حجم الأموال التي يرسلها الجزائريون في الخارج، بل يعكس بالأساس تحويل جزء كبير منها خارج القنوات الرسمية. فالفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية التي تصل إلى نحو 80% تدفع كثيراً من أفراد الجالية، خاصة في فرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة، إلى حمل النقود معهم عند العودة إلى الوطن أو استخدام شبكات تحويل غير رسمية، وهي أموال لا تدخل في إحصاءات البنك الدولي ولا في ميزان المدفوعات الوطني.
ويبرز في المقابل جانب إيجابي يتعلق بتكلفة التحويل إلى الجزائر، إذ سجلت 1.3% فقط ضمن الخدمات غير البنكية في 2025، وهو من أدنى المستويات في القارة الأفريقية وأقل بكثير من المتوسط الإقليمي لشمال أفريقيا البالغ 7.3%، ما يعني أن المشكلة الجزائرية لا تكمن في كلفة الإرسال بل في جاذبية القنوات الرسمية وقدرتها على استقطاب الأموال.
ويشير التقرير إلى أن التحويلات يمكن أن تتحول إلى رافعة للشمول المالي وبناء الأصول عندما تجد الأسر خدمات ميسورة وموثوقة، وهو ما يتطلب معالجة الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، وتوسيع شبكة الخدمات المالية في المناطق الريفية، وتطوير منتجات ادخارية واستثمارية موجهة للجالية، لأن استمرار تدفق الأموال خارج القنوات الرسمية يحرم الاقتصاد الوطني من العملة الصعبة ويحرم الأسر من فرص بناء سجل مالي يفتح لها أبواب التمويل والتأمين والاستثمار على المدى الطويل.
وعلى المستوى العالمي، يخلص التقرير إلى أن التحويلات أثبتت مرونتها في وجه الأزمات المتتالية، من جائحة كوفيد-19 إلى النزاعات والكوارث الطبيعية، إذ ظلت مستقرة أو ارتفعت حين تدهورت أحوال الأسر، وبلغت التحويلات إلى الدول الهشة أكثر من 134 مليار دولار في 2023 أي ما يقارب ضعف مستواها في 2010.
كما تطرق التقرير إلى دور التحويلات في التكيف مع التغير المناخي، مستشهداً بحالات في السنغال ومالي حيث تبين أن الأسر المتلقية للتحويلات أكثر ميلاً لتبني استراتيجيات إدارة المخاطر الزراعية وأكثر قدرة على الادخار، مع الإشارة إلى أن هذه الأموال لا يمكن أن تعوض التمويل المناخي أو الاستثمار العام بل تكمله. وفي ختام تحليله، شدد التقرير على أن التحويلات تبقى موارد أسرية خاصة، وأن قيمتها التنموية القصوى تتحقق حين تتوفر للأسر خدمات ميسورة وشفافة وموثوقة، مع الحرية والمعرفة والخيارات المناسبة لاستخدام أموالها وفق أولوياتها، وهو المبدأ الذي يجب أن تبنى عليه السياسات العامة الرامية إلى تحويل هذه التدفقات من مجرد آلية للبقاء إلى مسار للصمود والفرص.



