خبير سياسي…أبوظبي خصصت 5 مليارات دولار لعرقلة مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء

في حوار خاص عبر قناة “Afrique émergente”، فكك الدكتور رياض الصيداوي، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف، الطبقات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية لهذا التصعيد، كاشفاً عن شبكة معقدة من المصالح المتضاربة تمتد من منطقة القبائل إلى أعماق الصحراء والساحل.

يربط الصيداوي جذور الأزمة بفترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، حيث تشكلت شبكات نفوذ إماراتية متشابكة في المشهد الاقتصادي والسياسي الجزائري. هذه اللوبيات، بحسب المحلل، عملت على مدار سنوات على ترسيخ مصالحها عبر استثمارات وصفقات عقارية مشبوهة، قبل أن تجد في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، وبعد حراك 2019، جداراً صلباً أمام محاولاتها لمواصلة عملها دون رقابة.

ويشير الصيداوي إلى أن السلطات الجزائرية، منذ وصول تبون إلى قصر المرادية، انتهجت سياسة واضحة تهدف إلى “وضع حد لهذه اللوبيات وإعادة ترتيب العلاقات بما يخدم السيادة الوطنية أولاً”. هذا التحول لم يكن مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل كان إعلاناً ضمنياً بأن الجزائر لم تعد مستعدة للقبول بترتيبات علاقات قائمة على النفوذ غير المتناظر.

أحد أخطر محاور التصعيد، وفق الصيداوي، يتمثل في اتهامات الجزائر لأبوظبي برعاية ودعم حركتين تصنفهما الجزائر “إرهابيتين”: حركة “تقرير المصير في القبائل” (ماك) الانفصالية، وحركة “رشاد” .

حركة “الماك”، التي أعلنت من باريس في ديسمبر الماضي “استقلال” منطقة القبائل عن الجزائر، تشكل تهديداً مباشراً للوحدة الوطنية الجزائرية. وتتهم الجزائر الإمارات بتقديم دعم مالي ولوجستي لهذه الحركة، وهو ما يتناقض مع أبسط قواعد العلاقات بين الدول .

أما حركة “رشاد”، التي صنفتها الجزائر رسمياً كتنظيم إرهابي في مايو الماضي، فتنشط وفق السلطات الجزائرية على “المساس بوحدة التراب الوطني” و”التحريض ضد السلطة” . وتشير التحقيقات الجزائرية إلى شبكات دعم خارجية تغذي هذه الحركة، وهو ما يضع الإمارات في مرمى الاتهامات.

إلى جانب ذلك، يسلط الصيداوي الضوء على إيواء الإمارات لرجال أعمال ومسؤولين سابقين متورطين في قضايا فساد وتهريب أموال نحو دبي وأبوظبي، وهو ملف يضيف بعداً قضائياً وأخلاقياً للتوتر الثنائي.

على الصعيد الاقتصادي، يكشف الصيداوي عن تحقيق نشرته صحيفة “الوطن” الجزائرية، يفيد بأن أبوظبي خصصت ميزانية تبلغ 5 مليارات دولار لعرقلة مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالنيجر .

هذا المشروع، الذي تبلغ طاقته السنوية المقدرة 30 مليار متر مكعب، يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الجزائر لتعزيز مكانتها كممر رئيسي للطاقة نحو أوروبا . لكنه يواجه منافسة مباشرة من المسار البديل الذي يمر عبر المغرب، والذي تجد أبوظبي فيه مصلحة استراتيجية تتعارض مع المصالح الجزائرية.

ويشير الصيداوي إلى أن التمويل الإماراتي المزعوم لم يقتصر على الجانب اللوجستي، بل امتد إلى حملات إعلامية وتضليلية ممنهجة تستهدف التشكيك في الجدوى الاقتصادية للمسار الجزائري لدى المستثمرين الدوليين، في محاولة لخنق المشروع قبل أن يرى النور.

على المستوى العسكري والإقليمي، يلفت الصيداوي الانتباه إلى تسليم صفقات عسكرية، من بينها طائرات “ميراج 2000”، إلى أطراف إقليمية منافسة للجزائر، مما يخل بالتوازن العسكري في المنطقة. لكن الأخطر – بحسب المحلل – هو ما كشفته تقارير عن تمويل وتسديد فدى بملايين اليورو لجرائم واحتجاز رهائن في منطقة الساحل، وهي أموال وصلت في نهاية المطاف لتمويل جماعات مسلحة تنشط قرب الحدود الجنوبية للجزائر.

هذا البعد الأمني يفسر جزئياً حساسية الجزائر المفرطة تجاه أي تدخل خارجي في دول الساحل، حيث تعتبر الأمن القومي الجزائري امتداداً طبيعياً لأمن جيرانها الجنوبيين.

يعود الصيداوي إلى لحظة مفصلية يرى أنها شكلت نقطة التحول الأولى في العلاقات: رفض عبد المجيد تبون، حين كان وزيراً للسكن، التوقيع على مشروع “دنيا بارك” العقاري. هذا المشروع، الذي كان يفترض أن يقام على مساحة شاسعة في العاصمة، أثار شبهات تضخيم مالي وتهريب للعملة، وهو ما دفع تبون إلى إغلاق الباب أمامه .

هذا القرار، الذي اتخذه تبون قبل وصوله إلى الرئاسة، ظل بحسب الصيداوي بمثابة “جريمة” في نظر الدوائر الإماراتية التي كانت تراهن على المشروع لتمرير مبالغ ضخمة خارج إطار الرقابة. وعندما أصبح تبون رئيساً، تحول هذا الملف إلى إحدى بوابات التوتر المزمن.

ويضيف الصيداوي أن محاولات التأثير السياسي وصلت إلى حد التدخل في انتخابات 2019، عبر تسريبات ومحاولات تشويه استهدفت مسار تبون الانتخابي، وهو ما أكده الرئيس الجزائري نفسه حين تحدث عن “دولة أو دويلة” تحاول المس باستقرار بلاده .

قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، الذي دخل حيز التنفيذ فوراً مع إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الإماراتية باستثناء الرحلات التجارية مؤقتاً، ينهي أكثر من ستة عقود من العلاقات الرسمية بين البلدين .

وبينما لم تصدر عن أبوظبي سوى ردود مقتضبة عبر مستشار رئيس الدولة، ما يبدو أن الجزائر وصلت إلى قناعة بأن “لغة الإشارات والرسائل المبهمة” – على حد وصف أنور قرقاش – لم تعد مجدية . لكن السؤال الذي يطرحه الصيداوي في ختام حديثه: هل ستكتفي الجزائر بهذا القطع، أم أن لديها ملفات أخرى في جعبتها، قد تكشف عنها في الأسابيع المقبلة؟

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً