تطبيقات المراهنات الإلكترونية في الجزائر….غزو رقمي صامت

تخوض الجزائر معركة غير متكافئة ضد غزو رقمي صامت يهدد استقرارها المالي والاجتماعي، حيث شهدت منصات المراهنات الأجنبية نمواً هائلاً في البلاد رغم الحظر القانوني الصارم. وكشفت بيانات مؤسسة “Semrush” عن تسجيل مواقع المراهنات نحو 2.13 مليون زيارة في سبتمبر 2025 داخل الجزائر، إذ تصدر موقع 1Xbet القائمة بـ 673,000 زيارة وبزيادة تجاوزت 80% على أساس سنوي، تلاه موقع Stake.com بـ 348,000 زيارة، إلى جانب منصات نشطة أخرى مثل MelBet وBetWinner وMostbet وParimatch.

وتعتمد هذه المنصات الأجنبية على الشغف الكروي لدى الشباب الجزائري ورعايتها لكبرى الأندية الأوروبية مثل برشلونه وباريس سان جيرمان لجذب المستخدمين، متجاوزة الحجب الحكومي عبر الشبكات الافتراضية الخاصة، حتى بات تطبيق MelBet يكتسح المراتب الأولى في المتاجر الرقمية محتلاً المرتبة الرابعة في قائمة التطبيقات الرياضية المجانية على أجهزة iPhone بنحو 70,000 تحميل شهرياً.

الاقتصاد الخفي وشبكات الوكلاء المحليين

و أمام غياب البطاقات البنكية الدولية للغالبية العظمى من الجزائريين، نشأت شبكة وساطة سريّة في الميدان لإنشاء بيئة دفع محلية؛ إذ يعمل الوكلاء من داخل محلات الأجهزة الكهرومنزلية وأكشاك الصحف والمقاهي الشعبية لتوفير عمليات شحن الحسابات وسحب الأرباح بالعملة المحلية مقابل عمولة تصل إلى 10%.

وصرّح أحد الوكلاء للصحافة بأن خدماتهم أصبحت مطلوبة على مدار الساعة، حيث يتلقى اتصالات في ساعات متأخرة لشحن أرقام حسابات خسر أصحابها أموالهم، بينما يأتي آخرون صباحاً لسحب الأرباح. وتزيد هذه الشبكة من صعوبة الرقابة الأمنية، لا سيما مع تساهل بعض الوكلاء وشحنهم لحسابات مراهقين لم يتجاوزوا الـ 16 عاماً طالما يتم دفع العمولة المطلوبة.

و تستهدف هذه المنصات فئة الذكور من الشباب بشكل أساسي، مستغلة ارتفاع معدل البطالة في الفئة العمرية بين 15 و24 سنة والذي بلغ 29.3%. وقد وثّقت التقارير مآسي إنسانية جراء هذا الإدمان، منها حالة شاب في العشرينات بدأ برهان بـ 50 يورو وتأثر بربحه الأول البالغ 1000 يورو ليغرق بعدها في الإدمان ويخسر 1750 يورو في يوم واحد، إضافة إلى خريجة جامعية عاطلة خسرت 2000 دينار في أول تجربة قبل أن تحذف التطبيق، بينما أقدم شخص آخر على الاستيلاء على 40 مليون دينار من مدخرات شقيقه محاولاً مضاعفتها ليخسرها كاملة في ليلة واحدة. وتحذر الدكتورة ليندا بودنار، أستاذة علم النفس، من تحول المراهنة إلى سلوك قهري ووسيلة وهمية للهروب من البطالة والإحباط، مما يجر المراهنين إلى مستنقع الديون والتفكك الأسري والمشاكل الاجتماعية.

غسيل الأموال والجريمة المنظمة: المظلة الخفية لنزيف السيولة في الجزائر

و لم تعد أخطار هذه المنصات العابرة للحدود تقتصر على أبعادها الاجتماعية والاقتصادية المباشرة في الشارع الجزائري، بل أضحت تشكل غطاءً مضللاً لخدمة أهداف الجريمة المنظمة وتسهيل غسيل الأموال داخل البلاد. إذ يستغل المجرمون غياب الأطر المصرفية الرسمية واعتماد منصات المراهنة على تدفقات مالية موازية عبر شبكات الوكلاء المحليين وشحن العملات المشفرة، لتمرير الأموال المتأتية من أنشطة مجرمة قانوناً كتهريب المخدرات والسلع.

وتعتمد هذه الشبكات الإجرامية على تفتيت المبالغ الضخمة وتدويرها عبر آلاف الحسابات المفتوحة برهانات صورية، تمهيداً لسحبها لاحقاً بالدينار أو العملة الصعبة .

ترويج المؤثرين: عمولات من خسائر المتابعين

و لم يكن لانتشار تطبيقات المراهنات الإلكترونية في الجزائر أن يتحقق لولا الدور المشبوه الذي يلعبه بعض المؤثرين وصنّاع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل Instagram وTikTok. حيث انخرط هؤلاء في الترويج للمراهنات عبر نشر أكواد خصم ومكافآت تسجيل تجريبية وتوظيف شغف كرة القدم لإرشاد المتابعين إلى توقع نتائج المباريات.

ويكمن جوهر هذا النموذج الترويجي الخبيث في أن أرباح المؤثرين لا تعتمد على ربح المتابعين بل على خسائرهم، حيث يحصل المؤثر على عمولة تصل إلى 25% من إجمالي مبالغ الخسارة للمستخدمين الذين سجلوا عبر رمزه الترويجي.

وقد أثار هذا السلوك موجة غضب عارمة في الشارع الجزائري، تسببت في ديسمبر 2024 بفقدان احد المؤثرين الجزائريين لأكثر من 50 ألف متابع خلال ساعات بسبب ترويجه لمنصة 1xBet، كما أطلقت صفحات كبرى حملات شعبية لمقاطعة المروجين تحت شعاري “أبلوكي التفاهة” و”ديزابوني القمارجي”.

و تتبنى الجزائر موقفاً حازماً ينص على حظر المقامرة بموجب المادة 612 من القانون المدني باستثناء الرهان الرياضي الحكومي وسباق الخيل. كما تحظر المادة 3 من قانون التجارة الإلكترونية رقم 18-05 المعاملات المتعلقة بالمقامرة والرهان عبر الإنترنت، وتفرض المادة 37 منه غرامات تتراوح بين 200,000 و1,000,000 دينار مع إمكانية إغلاق الموقع لم مدة تصل إلى 6 أشهر، فضلاً عن المادة 168 من قانون العقوبات التي تعاقب على الترويج دون تصريح بالحبس والغرامة.

و وصنفت وزارة المالية هذه المنصات الأجنبية كتهديد للسيادة المالية والأمن الاقتصادي، مع تكليف خلية معالجة المعلومات المالية بتتبع المعاملات المشبوهة وحظر العملات المشفرة المرتبطة بها.

ورغم تسجيل أحكام قضائية ميدانية، مثل الحكم على شخصين بالسجن ومصادرة مبالغ مالية في ماي 2025 وتفكيك شبكة من 4 أشخاص في فبراير 2026، إلا أن معضلة الإنفاذ تظل قائمة في ظل استضافة المنصات على خوادم أجنبية واعتماد المستخدمين على الـ VPN والوكلاء المحليين السريين، مما يبقي هذه الظاهرة نشطة في دائرة الاقتصاد الرمادي.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً