يشهد العالم اليوم إنتاجاً سنوياً من الهيدروجين يتجاوز 95 مليون طن، ينتج معظمه من خلال تقنيات إعادة تشكيل الغاز الطبيعي (الميثان) والتفحيم، وهو ما يُعرف بـ “الهيدروجين الرمادي”. وعلى الرغم من أن هذه الطرق تتميز بكفاءتها من حيث التكلفة وجاهزيتها الصناعية، إلا أنها تطرح تحديات بيئية كبيرة بسبب الانبعاثات الكربونية المصاحبة لها.
وتتوزع حصص الإنتاج العالمي الراهن على عدة كتل رئيسية، تتصدرها الصين بإنتاج يتجاوز 33 مليون طن سنوياً، أي ما يعادل نحو ثلث الطلب العالمي، مدعومة ببنيتها التحتية الضخمة في معالجة الفحم والغاز، مع تسريع استثماراتها في قدرات التحليل الكهربائي.
وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الثانية بإنتاج يناهز 11 مليون طن سنوياً، مستفيدة من وفرة موارد الغاز الطبيعي والدعم الفيدرالي المستمر لإنشاء “مراكز الهيدروجين النظيف” الإقليمية.
أما الاتحاد الأوروبي فينتج مجتمعاً نحو 8 ملايين طن سنوياً، حيث تقود ألمانيا وفرنسا وهولندا التوجيهات التنظيمية نحو استبدال الهيدروجين الرمادي ببدائل مستدامة. وتنتج الهند وروسيا معاً ما يزيد عن 10 ملايين طن سنوياً؛ وتعتمد روسيا على احتياطياتها الهيدروكربونية، بينما تبنت الهند استراتيجية وطنية مخصصة للتحول نحو الإنتاج الأخضر.
وتركز الاستراتيجيات الدولية المعاصرة على تحويل نمط الإنتاج من “الرمادي” إلى فئتين رئيسيتين: الهيدروجين الأزرق، المستخرج من الغاز الطبيعي مع تقنية احتجاز الكربون وتخزينه (CCUS)، والهيدروجين الأخضر، الناتج عن التحليل الكهربائي للماء باستخدام مصادر الطاقة المتجددة (الشمسية والرياح)، وهو النمط الذي يمثل الهدف النهائي لسياسات تحييد الكربون.
ورغم أن الهيدروجين الأخضر لا يمثل حالياً سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الإنتاج العالمي بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل والتحليل الكهربائي مقارنة بالغاز الطبيعي، إلا أن الاستثمارات المعلنة والسياسات التنظيمية تشير إلى نمو متصاعد في طاقات الإنتاج المخطط لها خلال العقود القادمة.
وتستغل دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المقومات الطبيعية المتمثلة في ارتفاع معدلات الإشعاع الشمسي وتوفر المساحات الشاسعة، إلى جانب القرب الجغرافي من أسواق الاستهلاك الرئيسية في أوروبا، لتأمين موقع ريادي في سلاسل الإمداد المستقبلية.
وتنفذ المملكة العربية السعودية والدول المجاورة مشاريع ضخمة لإنتاج الأمونيا الخضراء والهيدروجين وتصديرهما، بينما تشكل دول شمال إفريقيا — وفي مقدمتها الجزائر ومصر — محوراً استراتيجياً بالنسبة للاستراتيجية الأوروبية للهيدروجين. وتتطلع هذه الدول إلى استغلال بنيتها التحتية الحالية لنقل الغاز، كأنبوب “SoutH2 Corridor”، لتسهيل نقل الهيدروجين الأخضر عبر البحر الأبيض المتوسط نحو الموانئ والمجمعات الصناعية الأوروبية.
ورغم التفاؤل الاستثماري، يواجه التوسع في اقتصاد الهيدروجين عدة عقبات تقنية ولوجستية، أبرزها ارتفاع تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر مقارنة بالوقود التقليدي، وصعوبة نقل الهيدروجين بصورته الغازية وتطلبه لتقنيات تبريد أو تحويل كيميائي (كالأمونيا) لنقله بحراً، إلى جانب الحاجة إلى توحيد معايير الإشهادات البيئية وتحديد تعريفات موحدة للهيدروجين المنخفض الكربون على المستوى الدولي.
ويبقى الهيدروجين العصب الأساسي لرؤية التحييد الكربوني لعام 2050، حيث يتوقف نجاح الانتقال نحو اقتصاده على مدى سرعة انخفاض تكاليف تكنولوجيا التحليل الكهربائي وتطوير أطر شراكة متوازنة بين الدول المنتجة والمستهلكة.



