دعا الخبير الاقتصادي والمالي، إيدير ساسي، إلى تبني مقاربة تقنية وقانونية جديدة لمعالجة ملف استرجاع العملة الصعبة الناتجة عن عمليات التصدير في الجزائر، والتي قُدرت بنحو 350 مليون دولار.
وشدد ساسي، خلال استضافته في الإذاعة الوطنية، على ضرورة تجاوز منطق العقاب التلقائي للمصدرين عبر إقرار “حق الخطأ” وإدراج مفهوم “حسن النية” في التشريعات، مقترحاً في الوقت ذاته الاعتماد على أدوات رقابة تقنية متطورة، مثل الجداول المقارنة للأسعار وتعزيز التبادل المعلوماتي الدولي، لضمان حماية حقوق المصدرين وتأمين موارد الدولة من النقد الأجنبي.
وفي مداخلة له عبر برنامج “ضيف اليوم”، تناول ساسي ملفات استراتيجية تبدأ من استرداد الأملاك المنهوبة وصولاً إلى آليات دعم التصدير والتوجه نحو الأسواق الإفريقية. واعتبر ساسي أن استعادة الدولة لأصول صناعية، مثل مصانع في ولايتي تيسمسيلت وباتنة، تعد خطوة هامة تتجاوز قيمتها المادية لتصل إلى دلالة رمزية قوية. وأوضح أن هذه الخطوة تعكس التزام الدولة بتطبيق القانون وعدم ترك الملفات الكبرى دون نهايات ملموسة، تماشياً مع التطلعات الشعبية التي عُبر عنها منذ عام 2019.
ومع ذلك، دعا الخبير إلى اعتماد رؤية “براغماتية” في تسيير هذه الممتلكات، حيث شدد على أن الأصول الاستراتيجية يجب أن تظل تحت سيطرة الدولة مهما بلغت التكاليف نظراً لأهميتها الحيوية. أما بالنسبة للأصول غير الربحية، فقد دعا إلى التفكير في طرحها عبر مناقصات لفاعلين من القطاع الخاص أو مستثمرين دوليين، وذلك لتجنيب الخزينة العمومية ضخ أموال إضافية في مشاريع ذات مردودية ضعيفة، مما يضمن تعظيم العائد الاقتصادي وتقليل الأعباء على الدولة.
وفيما يخص ملف تضخيم الفواتير وعدم إعادة العملة الصعبة الناتجة عن التصدير، والتي تُقدر بنحو 350 مليون دولار، طالب ساسي بضرورة إدراج مفهوم “حسن النية” في التشريعات. وأكد أن العقاب التلقائي للمصدرين قد يعيق فعل التصدير نفسه، مشدداً على أهمية إقرار “حق الخطأ”، خاصة للمصدرين الذين يواجهون ظروفاً خارجة عن إرادتهم مثل تعثر المدفوعات الدولية. ولتعزيز ثقافة التصدير، دعا إلى تطوير مهن المرافقة مثل “التجارة الدولية” (Trading) لسد الفجوة بين الإنتاج والتسويق العالمي، مع اقتراح إنشاء منصات تجارية متخصصة في الجزائر العاصمة واعتماد منطق “الأوفشورينغ” (Offshoring) لنشر الممارسات الاحترافية.
وعلى الصعيد الإفريقي، أشاد إيدير ساسي بالإرادة السياسية لتكثيف وتنويع التعاون مع دول الجوار، لاسيما النيجر وتشاد. وأشار إلى أن إفريقيا تغيرت وتنتظر شراكات مبنية على المنفعة المتبادلة والبراغماتية، مؤكداً أن الجزائر تمتلك كل المؤهلات من موقع جغرافي، وبنية تحتية، وإمكانات اقتصادية لتصبح مركزاً إقليمياً (Hub) بامتياز. كما دعا إلى تعبئة آليات تمويل مناسبة لدعم هذا الطموح القاري وضمان التموقع في بيئة تنافسية.
ختاماً، وصف ساسي إطلاق الشبابيك الموحّدة الجديدة للمستثمرين بأنها قفزة نوعية وخطوة هامة نحو تعزيز الشفافية وتقليص البيروقراطية وتسهيل الإجراءات. ودعا إلى تبني رؤية شاملة للاستثمار تقوم على هندسة استراتيجية تدمج مختلف الفاعلين المؤسساتيين، بهدف تحويل الاستثمار إلى رافعة حقيقية للتنمية وتحويل المؤسسات العمومية إلى أوراق ضغط قوية في المفاوضات الاقتصادية الدولية.

