تُشكل الانتخابات التشريعية في الجزائر المرآة العاكسة لتحول البنية السياسية والمؤسساتية للدولة منذ فجر الاستقلال؛ إذ قطعت الهيئة التشريعية مساراً طويلاً ومحطات معقدة انتقلت خلالها البلاد من الأحادية الحزبية إلى التعددية السياسية الديمقراطية. ونظمت الجزائر في تاريخها الحديث 13 انتخاباً تشريعياً عاماً لاختيار أعضاء المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، بينما تقف البلاد اليوم على أعتاب المحطة الرابعة عشرة المقررة في الثاني من جويلية (يوليو) 2026، لتستكمل بها عقداً جديداً من البناء النيابي.
ويُقسم التاريخ التشريعي للبلاد إلى مرحلتين رئيسيتين؛ تمثلت الأولى في عهد “الأحادية السياسية” (1964 – 1987) تحت لواء حزب جبهة التحرير الوطني كتشكيل وحيد مخول له تقديم القوائم. وشهدت هذه الحقبة تنظيم 5 استحقاقات نيابية بدأت أولاها عام 1964 عقب إقرار دستور 1963، ليعقبها تجميد مؤقت للمؤسسات النيابية حتى العودة بصيغة جديدة عام 1977 في عهد الرئيس هواري بومدين، ثم تلتها عهدتان متتاليتان عامي 1982 و1987 خلال فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد.
ومع التحول التاريخي الذي فرضه دستور 1989، انطلقت المرحلة الثانية المتمثلة في “التعددية الحزبية”، حيث جرت أولى تشريعياتها نهاية عام 1991، وهي المحطة التي لم يكتمل مسارها الانتخابي نتيجة الأزمة السياسية والأمنية آنذاك، مما فرض دخول البلاد في مرحلة انتقالية عبر المجالس المؤقتة.
وعادت الهيئة الناخبة لصناديق الاقتراع التعددية عام 1997 في عهد الرئيس اليمين زروال لتأسيس قطيعة مع مرحلة الفراغ المؤسساتي. وتوالت بعدها المحطات النيابية بانتظام في أعوام 2002، 2007، 2012، ثم 2017، وصولاً إلى تشريعيات 12 جوان 2021 التي عُدت أول انتخابات برلمانية تُنظم وفقاً للمنظومة القانونية المنبثقة عن الحراك الشعبي ودستور 2020، وشهدت اعتماد نظام “القائمة المفتوحة” لمحاربة المال السياسي. In total, يضاف إلى هذه المواعيد الانتخابية المباشرة محطتان استثنائيتان؛ الأولى تمثلت في انتخاب المجلس التأسيسي في سبتمبر 1962 بُعيد الاستقلال لصياغة أول دستور للجمهورية، والثانية تجسدت في “المجلس الوطني الانتقالي” (1994 – 1997) لسد الفراغ التشريعي خلال العشريّة السوداء.
اليوم، تتهيأ الساحة الوطنية لافتتاح المحطة التشريعية الـ 14 في تاريخ البلاد (والتاسعة في عهد التعددية) والمتمثلة في انتخابات 2 جويلية 2026، والتي تكتسب أهمية بالغة في سياق استكمال الإصلاحات الهيكلية والاقتصادية واللوجستية الراهنة.
ويشهد هذا الاستحقاق حركية لافتة عقب استدعاء الهيئة الناخبة في أفريل الماضي وانقضاء آجال إيداع ملفات الترشح، لتتأهب الأحزاب والقوائم المستقلة لإطلاق حملاتها الانتخابية في جوان المقبل. وتضع هذه المحطة على عاتق البرلمان القادم مسؤوليات تشريعية مصيرية تشمل ملفات الأمن الطاقوي، والتحول الرقمي، وتحفيز الاستثمار، فضلاً عن ضمان التمثيل العادل للولايات المستحدثة، وسط جاهزية تنظيمية وأمنية كاملة أعلنت عنها السلطة المستقلة والقيادة العليا للجيش الوطني الشعبي لضمان نزاهة وسكينة الاقتراع.

