تشهد منطقة وسط إسبانيا، وتحديداً في محيط العاصمة مدريد ومقاطعة آبلة المجاورة، أسوأ موجة حرائق غابات في تاريخ المنطقة، حيث التهمت النيران عشرات الآلاف من الهكتارات وأجبرت أكثر من 80 ألف شخص على مغادرة منازلهم أو الاحتماء في أماكن آمنة، في كارثة بيئية وإنسانية وصفتها السلطات المحلية بأنها “الأعنف” في تاريخ منطقة مدريد، وتأتي في أعقاب موجة حر قياسية ضربت البلاد ورفعت درجات الحرارة إلى مستويات استثنائية تجاوزت الـ 42 درجة مئوية في العديد من المناطق، مما هيأ الظروف لاندلاع حرائق سريعة الانتشار وسط غطاء نباتي جاف تحول إلى وقود مثالي للنيران.
بدأت الكارثة يوم الأربعاء الماضي عندما نشب حريق في بلدة ألموروكس بمقاطعة طليطلة، ليمتد بسرعة إلى بلدة فيا ديل برادو في منطقة مدريد، ثم اندلع حريق آخر في سان مارتن دي فالديغليسياس على الطريق M-501 بعد احتراق سيارة، وسرعان ما اتحدت هذه البؤر مع حريق ثالث في بورغوهوندو بمقاطعة آبلة لتشكل جبهة نارية واحدة ضخمة، ما دفع الحكومة الإسبانية إلى إعلان حالة الطوارئ الوطنية مساء الخميس، ورفع حالة التأهب إلى المستوى الثالث، وهو أعلى مستوى يتيح للسلطات المركزية تولي القيادة الموحدة للعمليات وتنسيق الاستجابة بين مختلف الجهات الحكومية والمحلية، إلى جانب الاستعانة بالآليات الأوروبية للدفاع المدني التي استجابت بإرسال طائرات إطفاء من اليونان وإيطاليا لتعزيز جهود الإطفاء المحلية التي تواجه تحديات كبيرة بسبب الرياح العاتية التي تجاوزت سرعتها الـ 50 كيلومتراً في الساعة، مما أعاق عمليات السيطرة على النيران وزاد من انتشارها بسرعة مقلقة.
أدى اتساع رقعة الحرائق إلى عمليات إجلاء واسعة النطاق طالت نحو 80 ألف شخص بين نازح ومحتجز في منازله، حيث شملت الإخلاءات بلديات عدة في منطقة مدريد مثل روبليدو دي تشابيلا، وفريسنيديلاس دي لا أوليفا، وتشابينيريا، ونافاس ديل ري، وكولمينار ديل أرويو، وألدا ديل فريسنو، وسارساليخو، ونافالاغاميلا، إلى جانب سبع بلديات في وادي نهر تيتار بمقاطعة آبلة، بما فيها بيدرالافيس ولا أدرادا وكاسياس وغيرها، فيما تم توجيه النازحين إلى مراكز إيواء آمنة في مدن مثل موستوليس ونافالكارنيرو وبرونيتي وغيرها، مع التركيز على إخلاء الفئات الأكثر ضعفاً من كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة من ثمانية مراكز رعاية، ونقلهم إلى أماكن أكثر أماناً، بينما بقيت مستشفى لا بوفيدا في فيا ديل برادو تعمل بطاقمها المؤلف من 116 مهنياً لرعاية 125 مريضاً مستقراً، في مشهد يعكس حجم التحدي الذي يواجهه قطاع الصحة في المنطقة جراء الأزمة.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن النيران التهمت ما بين 20 إلى 25 ألف هكتار من الغطاء النباتي، ودمرت 43 منزلاً بالكامل في منطقة “إل إنسينار ديل ألبرتشي” بفيا ديل برادو، إضافة إلى تضرر 286 منزلاً آخر بدرجات متفاوتة، كما التهمت النيران مبنى إدارة سد سان خوان، مما اضطر الهيئة المختصة إلى تفعيل خطة الطوارئ الخاصة بالسد، بينما تسبب الدخان الكثيف في تدهور حاد لجودة الهواء في منطقة حوض ألبرتشي والشمال الغربي من مدريد، مما يشكل خطراً إضافياً على صحة السكان والفرق الميدانية، ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه التحقيقات جارية لتحديد الأسباب الدقيقة لاندلاع الحرائق، لكن السلطات ألقت القبض على شخص في بورغوهوندو بتهمة التسبب بالحريق بسبب استخدام آليات ثقيلة في منطقة محظورة، فيما يُعتقد أن حريق سان مارتن دي فالديغليسياس نجم عن احتراق سيارة على الطريق، مما يضيف بُعداً بشرياً إلى هذه الكارثة التي أثبتت مرة أخرى هشاشة التوازن البيئي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
وفي ظل استمرار الوضع الصعب، أعرب رئيس الحكومة بيدرو سانشيز عن تفاؤله الحذر بوجود “نافذة فرصة” خلال عطلة نهاية الأسبوع، مع انخفاض درجات الحرارة التي قد تسهم في تخفيف حدة النيران، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن الوضع لا يزال معقداً، خاصة مع عدم اليقين حول تطور الرياح واحتمالية حدوث عواصف جافة، فيما أكدت رئيسة منطقة مدريد إيزابيل دياث أيوسو أن الأولوية المطلقة هي إنقاذ الأرواح، داعية إلى تضافر الجهود وتجنب التجاذبات السياسية في هذا الوقت العصيب، فيما يواصل أكثر من 2700 عنصر من وحدة الطوارئ العسكرية والحرس المدني والشرطة الوطنية وفرق الإطفاء، مدعومين بـ 426 آلية برية و21 طائرة، عملهم المتواصل للسيطرة على هذه الجبهة النارية التي أصبحت رمزاً لحجم التحديات التي تواجهها إسبانيا في ظل موجة الحر غير المسبوقة التي تضرب جنوب أوروبا هذا الصيف.



