مايغا يحمّل فرنسا المسؤولية ويبارك التقارب مع الجزائر: ماذا ينتظر الساحل؟

في تطور لافت يعكس تحولاً في العلاقات الثنائية بين الجزائر ومالي، أعلن رئيس الحكومة المالية، الجنرال عبد الله مايغا، رسمياً عن طي صفحة الخلاف الدبلوماسي الذي شاب العلاقات بين البلدين خلال الأشهر الماضية. وأكد مايغا وجود تقارب كبير وتوافق تام في وجهات النظر السياسية بين قائد السلطة الانتقالية في مالي، العقيد عاصيمي غويتا، ونظيره الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حول المبادئ الاستراتيجية والأساسية التي تحكم علاقات البلدين.

وجاءت تصريحات مايغا، التي بثتها القنوات التلفزيونية العمومية المالية، لتؤكد تجاوز التباينات والاختلافات التي ظهرت سابقاً في بعض المواضيع، مع ترحيب واضح بالتقارب الشامل في رؤى القيادتين. وشدد رئيس الحكومة المالية على التمسك الصارم بمبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي المبادئ التي شكلت دوماً حجر الزاوية في العلاقات بين دول المنطقة.

ويعكس هذا التصريح إرادة مشتركة لطي الماضي، بعد سلسلة من الأحداث المتوترة التي بلغت ذروتها بإسقاط الجيش الجزائري لطائرة مسيرة مالية في أفريل 2025 قرب الحدود، بعد ان اخترقت المجال الجوي. وأدى هذا الحادث إلى سلسلة من الإجراءات المتصاعدة شملت سحب السفراء وإغلاق الأجواء، ووصول الخلاف إلى منابر الأمم المتحدة في اتهامات متبادلة بين الطرفين.

غير أن الأشهر الأخيرة شهدت مسلسلاً من مبادرات التهدئة من الجانب الجزائري، بدأت بتصريحات وزير الخارجية أحمد عطاف في أفريل 2026، ثم عرض الرئيس تبون للوساطة في ماي، وصولاً إلى إعادة فتح الأجواء الجزائرية أمام الطيران المالي في جويلية 2026. وهو ما قوبل برد مماثل من باماكو بإعادة سفيرها إلى الجزائر وفتح مجالها الجوي بالكامل أمام الطائرات الجزائرية المدنية والعسكرية.

وتأتي هذه المصالحة في سياق أوسع لإعادة الجزائر تموقعها في منطقة الساحل، بعدما كانت قد استبعدت من الديناميكيات الجديدة التي تقودها تحالفات دول الساحل، مثل تحالف مالي والنيجر وبوركينا فاسو. فقد سبق للجزائر أن أعادت بناء جسور مع النيجر وبوركينا فاسو في الأشهر الأخيرة عبر اتفاقيات في مجالات المحروقات والمناجم، مما جعل استمرار العزلة المالية أكثر كلفة على باماكو.

ويظل التحدي الأكبر الذي يواجه هذا التقارب الجديد هو مصير اتفاق السلام الموقع عام 2015 برعاية الجزائر، والذي أعلنت باماكو فسخه في ماي 2026. ويبقى أن نرى ما إذا كان هذا الانفراج الدبلوماسي سيفتح الباب أمام صيغة محدثة للحوار، أم أن الملف سيبقى عالقاً بين ضرورات السيادة ورهانات الاستقرار الإقليمي.

وفي ظل التحديات الأمنية المشتركة التي تواجه البلدين، وفي مقدمتها الإرهاب والهيمنة الأجنبية، شدد رئيس الحكومة المالية على المصلحة المشتركة للبلدين في إحلال السلام بالمنطقة. كما حمل فرنسا جزءاً من المسؤولية في تدهور الأوضاع الأمنية، مشيراً إلى فشل التدخل العسكري الفرنسي الذي انطلق عام 2013، ومؤكداً على ضرورة إنهاء أشكال الاستعمار الجديد والهيمنة وكافة صور التطرف والإرهاب.

واختتم مايغا تصريحاته بالتطلع إلى تعزيز مستوى التنسيق والتعاون الثنائي بين باماكو والجزائر في مجالات الأمن والاستقرار والتنمية بمنطقة الساحل، في خطوة تعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار مالي لا ينفصل عن استقرار جارتها الشمالية. وأن المصير المشترك يفرض تجاوز الخلافات الجزئية لصالح بناء شراكة إقليمية قادرة على مواجهة التحديات الجسام التي تهدد المنطقة بأسرها.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً