شهدت أسعار الأدوية الموصوفة في الولايات المتحدة تراجعاً تاريخياً، حيث سجلت انخفاضاً بنسبة 3.1% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في جويلية 2026، وهو أكبر انخفاض سنوي منذ مارس 1963، وفقاً لبيانات مكتب إحصاءات العمل التي جاءت لتشكل مفاجأة إيجابية في ظل استمرار ارتفاع معظم مؤشرات التضخم الأخرى .
وقد انعكس هذا التراجع على المؤشر الأوسع للأدوية، الذي سجل بدوره انخفاضاً بنسبة 2.7% على أساس سنوي، وجاء ذلك رغم استمرار ارتفاع تكاليف الخدمات الطبية الأخرى، كالخدمات الاستشفائية التي ارتفعت بنسبة 5.2% والخدمات الطبية التي زادت بنسبة 2.4% خلال الفترة ذاتها .
في هذا السياق، سارعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تبني هذا الإنجاز، حيث أرجع مسؤولو البيت الأبيض هذا التراجع الكبير إلى سياساتهم المتمثلة في اتفاقيات التسعير التي تجسد مبدأ “الأمة الأكثر رعاية”، والتي أبرمتها الإدارة مع سبع عشرة شركة أدوية كبرى، وإلى منصة “ترامب آر إكس” التي تم إطلاقها في فبراير الماضي لتوفير الأدوية للمستهلكين بأسعار مخفضة، مع التركيز بشكل خاص على انخفاض أسعار أدوية إنقاص الوزن الشهيرة من فئة GLP-1، إذ تمكنت الإدارة من خفض سعر الجرعات المنخفضة إلى 150 دولاراً شهرياً من خلال المنصة، وصولاً إلى اتفاق مع شركتي “نوفو نورديسك” و”إيلي ليلي” لتزويد برنامج الرعاية الطبية لكبار السن “ميديكير” بهذه الأدوية بسعر 245 دولاراً شهرياً، بعد أن كانت تكلفة التأمين تصل إلى أكثر من ألف دولار .
بيد أن خبراء اقتصاد الصحة يقدمون تفسيراً أكثر تعقيداً لهذه الظاهرة، إذ يرون أن المشهد يتشكل من تداخل عوامل عدة، وأن تشريع “قانون خفض التضخم” الذي أقره الرئيس السابق جو بايدن في عام 2022 قد يكون له دور أكثر جوهرية في هذا الانخفاض. فقد سمح هذا القانون لبرنامج “ميديكير” ولأول مرة في تاريخه بالتفاوض المباشر مع شركات الأدوية على أسعار الأدوية الأكثر تكلفة، وقد دخلت نتيجة هذه المفاوضات، التي شملت عشرة أدوية رئيسية، حيز التنفيذ في بداية عام 2026، مما أسفر عن تخفيضات تراوحت بين 38% و79% مقارنة بقوائم الأسعار السابقة، ووفقاً لتقديرات البيت الأبيض السابق، فإن هذه الجولة الأولى من المفاوضات وحدها قد وفرت نحو 60 مليار دولار لدافعي الضرائب . ويشير ريتشارد فرانك، الباحث البارز في معهد بروكينغز وأستاذ الاقتصاد الصحي الفخري في جامعة هارفارد، إلى أن تأثير هذا القانون يبدو الأكثر ترجيحاً وراء هذا الانخفاض، قائلاً إنه لو كان عليه الرهان على العامل الأكثر تأثيراً، لكان قد اختار قانون خفض التضخم .
إلى جانب هذه السياسات، لعبت ديناميكيات السوق دوراً مهماً في تعزيز هذا الاتجاه التنازلي، ففي سوق أدوية GLP-1 التي شهدت طلباً هائلاً، أدى دخول أدوية جديدة والمنافسة المتزايدة إلى ممارسة ضغوط نزولية على الأسعار بصرف النظر عن أي مفاوضات حكومية . كذلك ساهم ظهور بدائل جنيسة لبعض الأدوية التي انتهت فترة احتكارها في تخفيض التكاليف، مما خلق بيئة سوقية أكثر تنافسية . ومع ذلك، يبدو أن مستقبل هذا الانخفاض يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التعريفات الجمركية الجديدة التي فرضتها إدارة ترامب على الأدوية المستوردة بنسبة 100%، والتي دخلت حيز التنفيذ في 31 يوليو الماضي للشركات الكبرى، وهو ما قد يعيد تشكيل المشهد ويضعف تأثير الانخفاضات المحققة .



