قمة نيودلهي… هل تنجح بريكس الموسّعة في تجاوز خلافاتها الداخلية؟

تستضيف العاصمة الهندية نيودلهي القمة الثامنة عشرة لمجموعة “بريكس” يومي 12 و13 سبتمبر 2026، تحت شعار “بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة”. وهي أول قمة وجهاً لوجه لقادة المجموعة بعد توسيعها، والرابعة التي تترأسها الهند.

وتنعقد القمة وسط تصدعات جيوسياسية متفاقمة وضغوط مستمرة على سلاسل الإمداد، إذ تسعى المجموعة إلى إيجاد أرضية مشتركة في ظل عضوية موسّعة.

توسعت مجموعة بريكس من خمس دول مؤسسة إلى 11 عضواً كاملاً: إلى جانب البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، انضمت مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في 2024، وإندونيسيا رسمياً في 2025. كما تضم المجموعة 10 دول شريكة، من بينها بيلاروسيا وبوليفيا وكوبا وكازاخستان وماليزيا ونيجيريا وتايلاند وأوغندا وأوزبكستان وفيتنام.

ويمنح هذا التوسع المجموعة تمثيلاً أوسع وثقلاً اقتصادياً أكبر، إذ تمثل دول بريكس الآن أكثر من نصف سكان العالم، ونحو 30% من الناتج الاقتصادي العالمي. لكن في المقابل، جعلت الخلافات الجيوسياسية بين الأعضاء التوصل إلى توافق أكثر صعوبة. وتُعقد القمة في توقيت “يصعب فيه فصل الأجندة الاقتصادية عن تطورات الشرق الأوسط”، حيث تضم المجموعة في عضويتها إيران والإمارات، وهما طرفان يتبنيان مواقف متباينة تجاه الأزمات الإقليمية. وقد فشل اجتماع وزراء خارجية بريكس في مايو 2026 في إصدار بيان مشترك بسبب خلافات حول الشرق الأوسط.

وفقاً لجدول أعمال القمة، يخصص اليوم الأول لاجتماع مغلق يركز على “الحوكمة العالمية الشاملة وتعزيز التعددية”، فيما يناقش اليوم الثاني في الجلسة الموسّعة محاور “الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة”، ليصدر في الختام “إعلان نيودلهي”.

التسوية بالعملات المحلية وربط أنظمة الدفع من أبرز الملفات الاقتصادية على أجندة الرئاسة الهندية. وأكد البنك الاحتياطي الهندي أن فريق عمل بريكس للمدفوعات يعمل على مسارين: ربط أنظمة الدفع السريع بين الدول، والربط بين العملات الرقمية للبنوك المركزية. وتؤكد الهند صراحة أنها “لا تدعم إنشاء عملة موحدة لبريكس”، بل تدفع نحو قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع الوطنية القائمة — مثل ربط نظام UPI الهندي، ونظام Pix البرازيلي، ومنصة اليوان الرقمي وCIPS الصينية، ونظام SPFS الروسي — بما يسمح بالتجارة بالعملات المحلية دون المرور عبر بنوك مراسلة بالدولار. وقد وقّعت الهند مذكرات تفاهم مع البنوك المركزية في الإمارات وموريشيوس وجزر المالديف وإندونيسيا للتعامل بالعملات المحلية، كما تم تفعيل UPI للمدفوعات التجارية في 10 دول.

حوكمة الذكاء الاصطناعي ملف رئيسي آخر. فقد أقرت قمة ريو 2025 وثيقة “منظور بريكس لحوكمة الذكاء الاصطناعي”، التي تدعو إلى أن يعزز الذكاء الاصطناعي الابتكار والنمو الشامل بدل توسيع الفجوة الرقمية. وخلال الرئاسة الهندية 2026، حدد منتدى أكاديميات علوم بريكس مجالات التعاون في البنية التحتية المشتركة للحوسبة، والمنصات البيانية التعاونية، والأدوات العلمية مفتوحة المصدر، مع التركيز على تطبيقات في الصحة والزراعة والتنبؤ المناخي وإدارة الكوارث. وقد أقر “إعلان تشيناي” الصادر في يوليو دعم البحث المشترك والتبادل العلمي وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية البحثية.

وفي مجال تمويل التنمية والأمن الغذائي، بلغ عدد المشاريع التي أقرها بنك التنمية الجديد (NDB) حتى الربع الأول من 2026 140 مشروعاً بقيمة إجمالية تتجاوز 40 مليار دولار، موزعة على البنية التحتية للطاقة والنقل واللوجستيات والصحة وحماية البيئة والبنية الرقمية. كما تدفع دول بريكس نحو إنشاء إطار متعدد الأطراف للتعاون الغذائي، ينسق الاحتياطيات الغذائية الطارئة ويشترك في المدخلات الزراعية والتقنيات لمواجهة مخاطر التضخم الغذائي العالمي.

أكبر عامل عدم يقين تواجهه القمة يأتي من الشرق الأوسط. فالتوترات في مضيق هرمز لم ترفع أسعار الطاقة العالمية فحسب، بل وضعت وحدة بريكس الداخلية على المحك. ويُتوقع أن يحضر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القمة. ويشير محللون إلى أن توسيع بريكس “منحها ثقلاً أكبر في تمثيل الاقتصادات الناشئة، لكنه جعل بناء التوافق السياسي أكثر تعقيداً”.

وفي الملف الأمني، توصل اجتماع كبار مسؤولي الأمن الوطني لدول بريكس في جوان 2026 إلى توافق مهم: دعم التمسك بالتعددية، والدفع نحو الحلول السياسية للقضايا الساخنة، وتنسيق الجهود لمواجهة التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية. وأعلنت الصين بعد الاجتماع أن بكين ستتولى رئاسة بريكس في 2027، معربة عن تطلعها لتعميق التعاون السياسي والأمني بين دول المجموعة.

تميل توقعات مؤسسات التحليل إلى البراغماتية. إذ رأى تقرير لبنك “دي بي إس” أن القمة “من غير المرجح أن تزعزع الأسواق بشكل ملحوظ، لكنها ينبغي أن تبرز التقدم المطرد للتجارة بالعملات المحلية وآليات التمويل البديلة في نظام عالمي متعدد الأقطاب”. وشدد التقرير على أن النتيجة الأكثر واقعية هي توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة، وتوسيع ترتيبات التسوية بين البنوك المركزية، وتعزيز الربط الإقليمي للمدفوعات، وليس النقاش النشط حول تحدي هيمنة الدولار.

وتنعكس هذه النبرة البراغماتية أيضاً في استراتيجية الهند الشاملة: بنية تحتية لا أيديولوجيا؛ حلول عملية لا مواجهة. وكما قال محافظ البنك الاحتياطي الهندي، فإن الدافع الأساسي للتعاون في المدفوعات العابرة للحدود هو أن “المجال واسع لخفض التكاليف” — فالتحويلات المحلية تتم في ثوان وبكلفة تقارب الصفر، بينما التحويلات الدولية تستغرق ساعات أو أياماً وتمر عبر عدة بنوك مراسلة تفرض رسوماً متتالية.

وفي بيئة دولية متفاقمة الانقسام، سيحدد ما إذا كانت قمة نيودلهي قادرة على حشد توافق كافٍ داخل “دائرة الأصدقاء” الموسّعة ما إذا كانت بريكس ستواصل التقدم كمنصة تنسيق للجنوب العالمي، أم ستتعثر في توتراتها الداخلية. وبعد يومين من النقاشات المغلقة، ستعطي صياغة “إعلان نيودلهي” وطولها الجواب.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً