تثير التحركات الدبلوماسية الأخيرة في نيقوسيا تساؤلات جوهرية حول مستقبل القواعد العسكرية البريطانية في قبرص، وهي القواعد التي تُعد حجر الزاوية للنفوذ العسكري البريطاني “شرق المتوسط” منذ استقلال الجزيرة عام 1960. ومع ذلك، فإن الحديث عن “نهاية” هذا التواجد يبدو سابقاً لأوانه، بالنظر إلى التعقيدات القانونية والاستراتيجية المرتبطة بهذا الملف.
و كشفت تقارير صحفية بريطانية، في مقدمتها The Telegraph، أن قبرص تسعى لفتح مفاوضات رسمية مع المملكة المتحدة بهدف إبرام اتفاق أمني جديد يخص القاعدتين العسكريتين أكروتيري وديكيليا، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية خلال مارس 2026.
التحرك القبرصي يأتي مدفوعاً بمخاوف أمنية متزايدة، خاصة بعد تعرض قاعدة أكروتيري لهجوم بطائرة مسيّرة يُعتقد أنها مرتبطة بـإيران، ما أثار تساؤلات حول فعالية التنسيق الأمني وحماية الجزيرة من تداعيات الصراعات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تسعى نيقوسيا إلى الحصول على ضمانات واضحة تمنع استخدام القواعد في عمليات هجومية، خصوصاً ضد أطراف إقليمية، مع حصر دورها في المهام الدفاعية والإنسانية، تفادياً لتحول الجزيرة إلى ساحة مواجهة.
الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس شدد على مسؤولية الدولة في حماية آلاف المدنيين القاطنين داخل نطاق القواعد، معتبراً أن الوضع الحالي، المرتبط بإرث عام 1960، يستدعي نقاشاً أكثر صراحة مع لندن.
على المستوى الأوروبي، أبدى المجلس الأوروبي استعداده لدعم قبرص في أي مسار تفاوضي محتمل، ما يعكس إدراكاً متزايداً داخل الاتحاد الأوروبي لحساسية موقع الجزيرة في معادلات الأمن الإقليمي.
في المقابل، أكدت وزارة الدفاع البريطانية تمسكها بالسيادة الكاملة على القاعدتين، مشيرة إلى أن وضعهما القانوني “غير قابل للتفاوض”، وهو الموقف الذي دعمه رئيس الوزراء كير ستارمر، مع التأكيد في الوقت ذاته على التزام بلاده بأمن الجزيرة.
و تستند السيادة البريطانية على منطقتي “أكروتيري” و”ديكيليا” إلى معاهدة التأسيس لعام 1960، والتي منحت لندن سيادة كاملة ودائمة على هاتين المنطقتين بصفتها “مناطق قواعد سيادية” (Sovereign Base Areas). هذا الوضع القانوني يجعل أي محاولة لإنهاء التواجد البريطاني تتطلب تعديلاً دولياً للمعاهدات، وهو أمر ترفضه لندن بشكل قاطع حتى الآن، معتبرة أن هذه القواعد ليست مجرد “تسهيلات” بل هي أراضٍ بريطانية وراء البحار.
و تُعد قبرص إحدى أهم نقاط الارتكاز العسكرية لـالمملكة المتحدة في شرق المتوسط، حيث تحتفظ لندن بمنطقتي سيادة عسكريتين هما أكروتيري وديكيليا، واللتين تشكلان ما يشبه “حاملة طائرات ثابتة” لدعم العمليات في الشرق الأوسط. قاعدة أكروتيري تُعد المركز الجوي الأبرز.
في الجهة الغربية من المتوسط، يحتفظ جبل طارق بدوره الاستراتيجي كبوابة بحرية حيوية تتحكم في مدخل البحر المتوسط. وشهد عام 2026 تطوراً لافتاً مع طرح مسودة اتفاق جديد بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي يهدف إلى تسهيل الحركة عبر الحدود مع إسبانيا، مع الحفاظ على السيادة العسكرية البريطانية الكاملة. وتلعب القاعدة البحرية في جبل طارق دوراً محورياً كمحطة إمداد ولوجستيك للسفن الحربية، بما في ذلك قطع مثل HMS Dragon، التي تستخدمه كنقطة عبور نحو شرق المتوسط، ما يعزز من تكامل الانتشار العسكري البريطاني بين غرب وشرق الحوض المتوسطي.
وكالات + الصحفي

