من التجسس إلى الملاحقة القضائية.. منظومة الترهيب الفرنسية في مواجهة نشطاء فلسطين

كشف تقرير “ميدابارت” عن فضيحة من العيار الثقيل تتعلق بإخضاع الامن الفرنسي للنائبة الأوروبية ريما حسن المساندة للقضية الفلسطينية  لمراقبة بوليسية “شاملة وفائقة” تجاوزت حدود التحقيق الجنائي التقليدي لتتحول إلى ما يشبه التجسس السياسي.

فبينما كان التحقيق يدور حول “تمجيد الإرهاب” بسبب منشور على منصة (X) بتاريخ 26 مارس 2026، قامت السلطات بتفعيل نظام تحديد الموقع الجغرافي (Geolocation) لهاتف النائبة بأثر رجعي يمتد لثلاثة أشهر كاملة، وتحديداً منذ مطلع شهر جانفي، أي قبل حدوث الواقعة المزعومة بأسابيع طويلة.

و تضمن الملف الأمني تتبعاً ميليمترياً لكل تحركات ريما حسن، حيث رصدت الأجهزة الأمنية رحلاتها الجوية، وعطلاتها الخاصة في الخارج، وتنقّلاتها المهنية بين باريس وبروكسل وستراسبورغ عبر قطارات (SNCF) و(Thalys).

والأخطر من ذلك هو لجوء السلطات إلى الوكالة الوطنية لبيانات السفر (ANDV) وحتى وكالة “يوروبول”، في إجراءات وصفها الدفاع بأنها “غير متناسبة تماماً” وتهدف بشكل أساسي إلى الالتفاف على الحصانة البرلمانية التي تتمتع بها النائبة.

و أثار التناقض الزمني في القضية صدمة حقوقية، إذ كيف يمكن تبرير مراقبة تحركات نائبة في شهر جانفي بناءً على منشور لم يُكتب إلا في نهاية مارس؟ هذا السؤال هو ما دفع المحامي فينسنت برينغار لوصف الإجراءات بأنها اعتداء ذو خطورة استثنائية على الحياة الخاصة والنشاط البرلماني. كما كشفت ريما حسن عن تفاصيل مثيرة من كواليس توقيفها في 2 أفريل، حيث واجهها أحد رجال الشرطة بمعلومات دقيقة عن مكان هاتفها قبل دقائق من دخولها مركز الشرطة، مما يؤكد استمرار تعقبها حتى وهي في طريقها لتسليم نفسها طواعية.

و تأتي هذه الأساليب في سياق سياسي مشحون، حيث تهدف بشكل مباشر إلى خلق حالة من الترهيب الممنهج لكل الأصوات التي تجرؤ على تبني مواقف قوية دفاعاً عن فلسطين. إن إخضاع شخصية مثل ريما حسن لمراقبة لصيقة تشمل تتبع هاتفها، وحساباتها البنكية، وسجلاتها الدولية، يرسل رسالة تحذيرية واضحة مفادها أن ثمن الالتزام بالقضية الفلسطينية قد يكون التجريد من الخصوصية والوصم الجنائي.

وتؤكد هذه الحادثة انخراط النظام الفرنسي في إرساء منظومة ترهيب متكاملة تستهدف المعارضين السياسيين والمدافعين عن القضية الفلسطينية، عبر مزيج معقد من الملاحقات القضائية، والتجسس الرقمي، والضغط النفسي. إن استخدام تهمة “تمجيد الإرهاب” لم يعد مجرد إجراء قانوني، بل تحول إلى أداة “وصم” سياسي تُشرعن اختراق الخصوصية والالتفاف على الحصانة البرلمانية، مما يضع أي صوت منتقد تحت مقصلة الرقابة الأمنية الدائمة.

لا تقتصر أهداف هذه السياسة على معاقبة الشخصيات المستهدفة كأفراد، بل تمتد لتشمل ترهيب الحاضنة الشعبية والسياسية المساندة لفلسطين، من خلال إرسال رسالة مفادها أن ثمن الموقف المبدئي هو الملاحقة في أدق تفاصيل الحياة الشخصية.

إن تحويل “التضامن” إلى “ملف أمني” يهدف إلى تجفيف منابع الدعم السياسي للقضية الفلسطينية داخل فرنسا، وتحويل الفضاء العام إلى بيئة طاردة لكل من يحاول كسر السردية الرسمية، وهو ما يمثل تآكلاً خطيراً في قيم “الحرية والمساواة والأخوة” التي قامت عليها الجمهورية.

هذه الممارسات تعكس حالة من “الذعر السياسي” لدى النظام من تنامي الوعي بالقضية الفلسطينية داخل المؤسسات الأوروبية، مما دفعه إلى استبدال لغة الحوار الديمقراطي بلغة “الردع البوليسي”.

وفي نهاية المطاف، فإن تحول أجهزة الاستخبارات إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية يضع الديمقراطية الفرنسية في مواجهة مباشرة مع مبادئها، حيث يُصبح الدفاع عن حقوق الإنسان في الخارج سبباً للمصادرة القسرية لهذه الحقوق في الداخل.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً