صناعة الصلب في الجزائر…من “عقدة الاستيراد” إلى قاطرة الصادرات خارج المحروقات

شهد قطاع الحديد والصلب في الجزائر خلال السنوات الخمس الماضية (2021-2026) ثورة صناعية صامتة، حيث نجحت البلاد في كسر التبعية للخارج وتحويل هذا القطاع الاستراتيجي إلى ثاني أكبر مساهم في الصادرات خارج المحروقات بعد المشتقات النفطية. هذا التحول ليس مجرد زيادة في أرقام الإنتاج، بل هو تغيير جذري في بنية الاقتصاد الوطني.

و منذ عام 2021، سجلت الجزائر معدلات نمو متصاعدة في إنتاج الصلب الخام. ووفقاً لتقارير الاتحاد العربي للصلب، قفزت الجزائر لتصبح ضمن “الثلاثي الكبار” عربياً (إلى جانب مصر والسعودية). بفضل استثمارات ضخمة في مركب “بلارة” بجيجل (شراكة جزائرية قطرية) وتوسعة مركب “توسيالي” بوهران، استطاعت الجزائر تحقيق الاكتفاء الذاتي في حديد البناء والأسلاك، والتوجه نحو تصدير المنتجات المسطحة والحديد المختزل (DRI).

وقد بلغ إنتاج الجزائر من الصلب الخام في عام 2025 حوالي 4.5 مليون طن، مع توقعات بتجاوز عتبة الـ 6 ملايين طن بحلول نهاية 2026 مع دخول وحدات إنتاجية جديدة حيز الخدمة.

غار جبيلات: السيادة المنجمية وفك الارتباط بالخارج

و يعد مشروع منجم “غار جبيلات” بتندوف حجر الزاوية في التحليل الاقتصادي للقطاع؛ فبعد عقود من الاعتماد على استيراد المادة الخام من البرازيل وأوكرانيا بتكلفة شحن باهظة واستنزاف للعملة الصعبة، دخلت الجزائر مرحلة “السيادة المنجمية”. ويستند هذا التحول إلى أرقام ضخمة، حيث ينام المنجم على احتياطات تُقدر بـ 3.5 مليار طن من خام الحديد، مما يجعله أحد أكبر المناجم في العالم.

ومع الانطلاق الفعلي لاستغلال المنجم، تشير الاستشرافات الاقتصادية إلى استخراج 2 إلى 3 ملايين طن سنوياً في المرحلة الأولى (2022-2025)، على أن تصل القدرة الإنتاجية إلى 40 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030.

إن بناء مجمعات المعالجة الأولية في بشار وربطها بخط سكة حديد يمتد على مسافة 950 كيلومتر، سيمكّن الجزائر من توفير مادة خام محلية تنافسية، مما يساهم في خفض تكلفة إنتاج الصلب النهائي بنسبة تتراوح بين 20% إلى 30%، وهو ما يضمن ريادة المنتج الجزائري في الأسواق العالمية وتقليص فاتورة الاستيراد بما يقارب 2 مليار دولار سنوياً.

ولم يعد الحديد الجزائري مخصصاً للاستهلاك المحلي فحسب؛ ففي عام 2025، بلغت قيمة الصادرات الحديدية قرابة مليار دولار؛ حيث تتوجه الصادرات حالياً نحو دول جنوب أوروبا (إيطاليا، إسبانيا) والولايات المتحدة، مع توجه استراتيجي متزايد نحو العمق الإفريقي عبر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA)، مستفيدة في ذلك من الطريق العابر للصحراء وخطوط السكك الحديدية الجديدة.

ورغم هذه النجاحات، تواجه الصناعة تحديات تتعلق بـ “البصمة الكربونية”؛ إذ بدأت الأسواق الأوروبية بفرض ضرائب كربونية صارمة، وهنا تتجه الجزائر نحو إنتاج “الصلب الأخضر” عبر استغلال الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة في عمليات الصهر، لضمان استدامة التصدير نحو الأسواق العالمية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً