تظل الكتابة ملاذًا خاصًا لأولئك الذين يختارون مواجهة العالم بالكلمات بدل الهروب منه. من بين هذه الأصوات، تبرز الكاتبة الجزائرية سعاد شيحي، التي تشكّلت تجربتها عند تقاطع مسارين متباينين: صرامة القانون وحرية الأدب، فصنعت لنفسها صوتًا خاصًا يحمل الكثير من الصدق والوجع.
سعاد شيحي، التي يلقّبها القرّاء بـ”فتاة الأحزان”، لم تأتِ إلى الكتابة من باب الترف، بل من عمق التجربة الإنسانية، حيث تحوّل الألم لديها إلى مادة للكتابة، والكتابة إلى وسيلة للفهم والمصالحة. من خلال أعمالها، سواء في “نظرتي للحياة“ أو “لاحظ مع القدر“ أو “توقف يا وجعي“، تفتح الكاتبة نوافذ على الذات والواقع، وتعيد طرح أسئلة الهوية والقدر والمرأة بلغة بسيطة لكنها مشحونة بالإحساس.
لم تكن الكتابة بالنسبة لها مجرد هواية، بل تحوّلت إلى ضرورة داخلية ومسار وجودي، رافقها في رحلتها من الهروب إلى الوعي، ومن الألم إلى التشكّل. وبين صفحاتها، يتقاطع الشخصي بالجمعي، لتصبح تجربتها مرآة تعكس هموم جيل كامل.
في هذا الحوار، تفتح سعاد شيحي قلبها قبل نصوصها، وتتحدث عن بداياتها، عن علاقتها بالألم، عن رؤيتها للكتابة في زمن رقمي، وعن رهانات الكاتب اليوم بين الإبداع والتسويق. حوار يقترب من الإنسان خلف الكاتبة، ومن الحكاية التي ما تزال تُكتب.
الصحفي: كيف تقدمين نفسك للقراء؟
سعاد شيحي: أنا متحصلة على شهادة ليسانس في القانون الخاص، وماستر في قانون الأعمال، إضافة إلى شهادة الكفاءة المهنية للمحاماة. أنا صاحبة كتاب “نظرتي للحياة“، وهو مجموعة خواطر صادرة عن دار نشر المثقف بباتنة، ورواية “لاحظ مع القدر“ الصادرة عن منشورات البغدادي بالجزائر العاصمة، وكذلك ديوان “توقف يا وجعي“ الصادر عن دار سكرايب للنشر والتوزيع بمصر، إضافة إلى رواية “عودة فتاة“.
الصحفي: بين عالم القانون الصارم وعالم الأدب الحر، أين تجد سعاد شيحي نفسها أكثر؟
سعاد شيحي: أجد نفسي في عالم الأدب أكثر، لأنه العالم الوحيد الذي لا يفرض عليّ قيودًا، بل يتركني حرة. تارةً أخطئ فيغفر لي، وتارةً أكون على صواب فيُشعرني بأهمية الصدق مع النفس وتقبّلها. هذا العالم يقبلني في ضعفي وقوتي، وإن خرجتُ منه ستكون حتمًا نهايتي.
الصحفي: كيف بدأت علاقتك بالكتابة؟ هل كانت هروبًا أم اختيارًا واعيًا؟
سعاد شيحي: كانت علاقتي بالكتابة في البداية هروبًا من الواقع ومن المآسي، ثم تطورت هذه العلاقة لتدفعني إلى تقبّل نفسي وواقعي، والسعي لتغييره نحو الأفضل، لا للهروب منه. وهكذا تحولت الكتابة من هروب إلى اختيار واعٍ.
الصحفي: متى شعرتِ أنك كاتبة فعلًا وليس مجرد هاوية؟
سعاد شيحي: عندما ابتعدتُ عن الكتابة لفترة وجيزة، قرابة سنة، شعرتُ بضياع ووحدة رغم وجودي مع الناس. وعندما عدتُ إليها، أحسست براحة وطمأنينة، وكأنني وُلدت من جديد. حينها أدركت أنني لست هاوية، بل كاتبة تحتاج إلى الممارسة لتنمو هذه الموهبة.
الصحفي: ماذا تمثل لك تجربة كتاب “نظرتي للحياة”؟ هل كانت اعترافًا داخليًا أم رسالة للآخرين؟
سعاد شيحي: كان هذا الكتاب من أهم التجارب في حياتي، مع المجتمع والأصدقاء والعائلة وكل من يحيط بي. أعتبره اعترافًا صريحًا للآخرين بما عشته، وبما أحمله من مشاعر واحتياجات.
الصحفي: رواية “لاحظ مع القدر” تحمل بعدًا فلسفيًا، كيف ترين العلاقة بين الإنسان والقدر؟
سعاد شيحي: أرى أن كل ما يحدث لنا هو بقدر الله، مهما فعلنا أو أحببنا أو كرهنا، ولا ينبغي أن نلوم الحظ. فالقدر يسبق الإنسان حتى قبل ولادته، وما عليه إلا أن يرضى به.
الصحفي: رواية “عودة فتاة” تحمل دلالة قوية، ما القضية التي تطرحينها من خلالها؟
سعاد شيحي: أطرح فكرة أن الفتاة، مهما انحرفت أو أغرتها الدنيا، تعود يومًا إلى أصلها وقيمها، لأن نشأتها الأولى تبقى راسخة فيها مهما حدث.
الصحفي: عنوان “توقف يا وجعي” يحمل شحنة عاطفية، هل كانت الكتابة مواجهة للألم أم مصالحة معه؟ وهل تكتبين من تجربة شخصية؟
سعاد شيحي: كانت الكتابة مصالحة مع الألم وتقبّلًا له، لأنه جزء مني. فالوجع أحيانًا هو ما يجعلنا نكتشف أخطاءنا وقوتنا وقيمة أنفسنا. أكتب أحيانًا من تجارب شخصية وأحيانًا من خيال، لكن الغالب هو التجربة الذاتية.
الصحفي: إلى أي حد تعكس كتاباتك واقع المرأة الجزائرية؟
سعاد شيحي: تعكس كتاباتي واقع المرأة الجزائرية والعربية عمومًا، خاصة حين تنشأ في بيئة تفرض عليها قيودًا ومجتمعًا يحدد لها أدوارًا معينة.
الصحفي: هل تفضلين الكتابة الحرة أم الملتزمة؟
سعاد شيحي: أفضل الكتابة الحرة، لأن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى العزلة والهدوء بعيدًا عن كل شيء، حتى يتمكن من فهم نفسه والتعبير عنها.
الصحفي: كيف كانت تجربتك مع دور النشر في الجزائر ومصر؟
سعاد شيحي: كانت تجربة رائعة في البلدين، حيث تلقيت دعمًا وتشجيعًا، إضافة إلى احترافية في التوزيع والتسويق. ولو أُتيحت لي الفرصة مجددًا، سأعيد التجربة بكل تأكيد.
الصحفي: ما أبرز الصعوبات التي واجهتك ككاتبة شابة؟
سعاد شيحي: من أبرز الصعوبات قلة الفعاليات الأدبية المحلية التي تتيح عرض الأعمال ومناقشتها.
الصحفي: هل يحتاج الكاتب اليوم إلى تسويق نفسه أكثر من الكتابة؟
سعاد شيحي:: نعم، أصبح الكاتب مطالبًا بتسويق نفسه، لأن نجاح العمل بات مرتبطًا بصاحبه بقدر ارتباطه بمحتواه، وهذا ما نلاحظه في المعارض الدولية.
الصحفي: كيف ترين تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الكاتب؟
سعاد شيحي: أصبحت مواقع التواصل عاملًا أساسيًا في ظهور الكاتب واستمراره، كما تساعده على الترويج لأعماله.
الصحفي: ماذا تعني لك الكتابة؟
سعاد شيحي: الكتابة بالنسبة لي علاج وضغط نفسي إيجابي، ووسيلة لمواجهة مصاعب الحياة.
الصحفي: كيف تصفين نفسك خارج عالم الكتابة؟
سعاد شيحي: أنا امرأة طموحة وحالمة، أسعى في كل سنة لأن أكون أفضل من نسختي السابقة، وأعمل على بناء نفسي والاعتماد عليها.
الصحفي: ما الجملة التي تشبهك أكثر؟
سعاد شيحي: لم أكتبها، بل أطلقها عليّ القراء والصحافة: “فتاة الأحزان”، وأشعر أنها تعبّر عني بصدق.
الصحفي: لو وجهتِ رسالة إلى وجعك، ماذا تقولين؟
سعاد شيحي: أقول له: شكرًا لك أيها الوجع، فقد جعلتني قوية، وعلّمتني أن ليس كل من يبتسم لي يحبني. علّمتني الصمود، وأحتضنك رغم كل شيء، وأعتذر إن عاتبت يومًا القدر بسببك.

