سلّط برنامج “أخي المواطن” الذي يبث عبر أثير إذاعة عين تموشنت من تقديم الإعلامية فايزة كنوش موضوع حرية التعبير بين المسؤولية والمهنية، تزامنًا مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، في حلقة استضافت فاعلين في الحقل الإعلامي والأكاديمي، الأستاذ لشهب فاتح مدير نشر موقع “الصحفي” الإلكتروني، الصحفي : نور الدين جليل صحفي بإذاعة عين تيموشنت، والأستاذة رقية طالب رئيس تحرير الإذاعة الثقافية بالجزائر العاصمة، إضافة إلى الطالبة وفاء بن أحمد دحو ( كلية الإعلام و الإتصال)ما أضفى على النقاش تنوعًا في المقاربات بين الخبرة المهنية والرؤية الأكاديمية.
وتناول المتدخلون التحولات التي مست مفهوم حرية التعبير في ظل الثورة الرقمية، حيث لم يعد إنتاج وتداول المعلومة مقتصرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحًا للجميع، وهو ما وسّع من هامش التعبير بشكل غير مسبوق. غير أن هذا الانفتاح رافقته تحديات جديدة، أبرزها إشكالية المصداقية وتحديد حدود المسؤولية في فضاء رقمي سريع ومفتوح.
كما تطرّق النقاش إلى الإطار القانوني المنظم للممارسة الإعلامية في الجزائر، في ظل سعي السلطات إلى مواكبة هذه التحولات عبر نصوص حديثة تهدف إلى ضبط المشهد الإعلامي دون المساس بجوهر حرية التعبير، وهو توازن دقيق بين الحرية والتنظيم.
وفي سياق متصل، برزت مسألة التنافس بين الإعلام التقليدي ونظيره الرقمي، حيث يتفوق الأخير من حيث السرعة والانتشار، بينما يحافظ الأول على رصيده في المصداقية والعمق. غير أن الطرح الغالب لم يرَ في هذا التباين صراعًا، بل فرصة لبناء تكامل مهني يعزز جودة المحتوى الإعلامي.
غير أن المشهد المحلي لا يخلو من تحديات معقدة، لعل أبرزها تنامي خطاب الكراهية الذي يتغذى ويستتر وراء شعارات حرية التعبير. فبدل توظيف الفضاءات الرقمية كأدوات للتطوير والبناء، تتحول أحيانًا إلى منصات تسهم في إفساد النقاش العام وتعميق الانقسامات، ما يفرض العودة إلى جوهر المهنة وتغليب المصلحة الوطنية والوازع الأخلاقي على منطق “البوز” والسعي إلى الانتشار السريع على حساب الحقيقة والانسجام المجتمعي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى أطر تنظيمية مرنة وجلسات حوارية وطنية تجمع مختلف الفاعلين، لطرح هذه الإشكاليات بعمق، ليس بهدف تقييد الحريات، بل لحماية المهنة من الممارسات الدخيلة وتأطيرها بما يعزز دور الإعلام كسلطة مسؤولة. فالصحفي اليوم مدعو لأن يكون حارسًا للحقيقة ومدافعًا عن قيم الحوار، في عالم تتلاشى فيه الحدود بين الواقع والافتراض، ما يجعل من الالتزام الأخلاقي شرطًا أساسيًا لضمان إعلام يساهم في البناء لا الهدم.

