نشرت وسائل إعلام أمريكية، من بينها صحيفة “نيويورك تايمز” وشبكة “سي إن إن”، تقارير تتحدث عن وجود تباين في الصياغات الدبلوماسية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية فيما يخص الوضع القانوني لمدينتي سبتة ومليلية التابعتين للسيادة الإسبانية في شمال إفريقيا.
واستندت التقارير إلى “وثيقة إحاطة” داخلية مسربة، استُخدمت فيها عبارة “الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية” بدلاً من الوصف المعتاد “الأراضي الإسبانية”، وهو ما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كان هذا التغيير في المصطلحات يعكس تحولاً تدريجياً في موقف واشنطن تجاه النزاع الصامت بين مدريد والرباط حول المدينتين.
وفي معرض رده على أسئلة الصحفيين خلال الإيجاز اليومي، امتنع المتحدث باسم الخارجية الأمريكية عن تقديم تأكيد صريح بشأن شمول المدينتين بمظلة الحماية التي توفرها المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، مكتفياً بالقول إن إسبانيا تظل “حليفاً استراتيجياً حيوياً”، وأن واشنطن تدعو دوماً إلى حل الخلافات الحدودية عبر الحوار الدبلوماسي بين الأطراف المعنية.
من جهتها، ربطت تحليلات صحفية أمريكية هذا التطور بتنامي الشراكة العسكرية والأمنية بين الولايات المتحدة والمملكة المغربية، خاصة في إطار مناورات “الأسد الإفريقي”، معتبرة أن واشنطن قد تتبنى سياسة “الغموض المتعمد” لتجنب الانحياز الصريح في ملفات السيادة الحساسة بين حليفيها في منطقة حوض المتوسط.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الحكومة الإسبانية أو المغربية رداً على ما تداولته الصحافة الأمريكية بشأن هذه الوثائق المسربة.
هل يواجه مضيق جبل طارق مصير هرمز ؟
وهل يتحول مضيق جبل طارق من مظلة الأمان الأطلسي المستقرة لعقود إلى بؤرة ترقب دولي تضعه تقارير عام 2026 كمرشح أول ليكون المسرح القادم لصدام الإرادات، خاصة مع تزايد مؤشرات انهيار وحدة ‘الناتو’ وبروز طموحات قومية بدأت تتجاوز التحالفات التقليدية القديمة؟
لم تعد التقارير عن انسحاب أمريكي محتمل من حلف شمال الأطلسي مجرد تخمينات، بل تحولت إلى ضغط سياسي واقعي أعاد خلط الأوراق في المتوسط. التهديدات بطرد إسبانيا أو تهميش دورها داخل الحلف أدت إلى شرخ عميق في “الجبهة الجنوبية” لأوروبا.
السيناريو الخطير: في حال ضعف “الناتو”، تفقد القواعد العسكرية في جبل طارق (البريطانية) وروتا (الإسبانية) طابعها “التكاملي”، لتتحول إلى أدوات في صراع ثنائي بين لندن ومدريد حول السيادة، وهو نزاع تاريخي لطالما أخمدته نيران التحالف الأطلسي.
يشهد عام 2026 ذروة الصدام بين “السيادة الأوروبية” التي تقودها باريس وبرلين، وبين “الأطلسية التقليدية” التي تمسك بخيوطها لندن وواشنطن.
تبحث أوروبا عن “استقلال عسكري” يؤمن ممراتها المائية بعيداً عن تقلبات المزاج الأمريكي. هذا التوجه يجعل من جبل طارق “نقطة اختناق” استراتيجية؛ فمن يسيطر على المضيق، يسيطر على تدفق الطاقة وسلاسل الإمداد نحو قلب القارة، مما يجعله ساحة للتنافس الضمني بين القوى الأوروبية نفسها.
الارتباط المفاجئ في التقارير الإعلامية بين جبل طارق وجزر “المالفيناس” (الفولكلاند) في الأرجنتين يعكس استراتيجية “تشتيت القوة” البريطانية.
إن إعادة تحريك ملف “المالفيناس” بدعم من تكتلات اقتصادية صاعدة يهدف إلى الضغط على “لندن ما بعد البريكست”. إذا أُجبرت بريطانيا على الدفاع عن سيادتها في أقصى الجنوب الأطلسي، فإن قدرتها على فرض “الأمر الواقع” في جبل طارق ستتآكل، مما يغري أطرافاً إقليمية (مثل إسبانيا) أو دولية (مثل روسيا والصين) لملء الفراغ.
لا يتحرك مسرح جبل طارق بمعزل عن القوى العظمى الأخرى. التواجد الروسي في البحر المتوسط عبر القواعد السورية، والاستثمارات الصينية الضخمة في موانئ شمال إفريقيا، تخلق واقعاً جديداً.
المضيق لم يعد “بحيرة أطلسية”؛ بل أصبح ممراً تتواجد بالقرب منه تكنولوجيا عسكرية ورادارية غير تابعة للناتو، مما يجعل أي احتكاك بسيط “شرارة” لحرب هجينة تشمل قطع كابلات الإنترنت البحرية أو تعطيل الملاحة التجارية.
إن مضيق جبل طارق في 2026 ليس مجرد ممر مائي، بل هو “ترمومتر” يقيس مدى انهيار النظام العالمي القديم. إذا استمر التهديد بتفكيك الناتو، فإن “دبلوماسية البوارج” قد تعود للمضيق.
الحرب القادمة قد لا تكون مواجهة جيوش نظامية كلاسيكية، بل “حرب استنزاف سيادي” يتم فيها استخدام الضغوط الاقتصادية، والمطالب التاريخية، والتحالفات المتغيرة لخنق الخصوم عند البوابة الغربية للمتوسط.
بعد اشتعال الأزمات في مضيق هرمز وتحوله إلى ورقة ضغط دولية، هل ينتقل ثقل التوتر إلى مضيق جبل طارق ليصبح البؤرة الجديدة لصراع القوى؟ وهل نرى في 2026 نهاية لعهد الاستقرار الأطلسي في هذا الممر الحيوي، مع صعود تقارير تشير إلى تصدع الناتو وظهور أطماع إقليمية تعيد رسم خريطة النفوذ عند مدخل المتوسط؟
الكلمات المفتاحية: جبل طارق، حلف الناتو، السيادة الإسبانية، جزر المالفيناس، الأمن البحري، الصراع الأوروبي، الجغرافيا السياسية 2026.

