سلاح العقوبات الدولية…بين “التأديب الجماعي” و”الفرز الفردي”

أعادت العقوبات الأخيرة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على أفراد من المستوطنين في الضفة الغربية فتح ملف “العدالة الانتقائية” في السياسة الدولية، مسلطةً الضوء على التباين الصارخ في آليات العقاب التي تتبعها القوى الغربية بين “العقوبات الجماعية” الشاملة و”العقوبات الذكية” الفردية.

تبرز المفارقة عند مقارنة استراتيجية “الأرض المحروقة” التي تُطبق على دول الجنوب والخصوم مثل روسيا وإيران، وبين “الجراحة الميكروسكوبية” المتبعة مع إسرائيل. فبينما تُعزل دول بأكملها عن نظام “سويفت” وتُجمد أصول بنوكها المركزية تحت ذريعة مسؤولية “الدولة ككل”، يتبنى الاتحاد الأوروبي تجاه الاستيطان الإسرائيلي نمط العقوبات الفردية التي تستهدف 7 أو 8 أشخاص فقط، مما يحصن مؤسسات الدولة العبرية ويحافظ على اتفاقات الشراكة معها.

ويرى فقهاء قانون في “العالم الثالث” أن هذا الفرز يهدف إلى منح القوى الغربية غطاءً قانونياً يصور الانتهاكات الممنهجة كـ “حالات فردية”، في حين يُستخدم القانون الدولي كأداة “تأديبية” لتركيع الأنظمة المعارضة عبر ضرب القوة الشرائية للمواطن البسيط وقطاعي الصحة والغذاء.

إن سيطرة الغرب على المفاصل المالية العالمية (الدولار والأنظمة المصرفية) جعلت من العقوبات سلاحاً يوجه في اتجاه واحد. فبينما يملك الاتحاد الأوروبي القدرة على شل اقتصاديات دول كاملة بقرار واحد، يتذرع بـ “الدقة القانونية” لتجنب اتخاذ أي خطوة تمس عصب الاقتصاد الإسرائيلي، مثل تعليق التفضيلات الجمركية أو الاستثمارات التكنولوجية، مما يكرس القناعة بأن النظام العالمي يقوم على “المصالح” لا على “القواعد”.

وقد تجاوزت العقوبات الأحادية كونها أداة ضغط سياسي لتصبح “حرباً بوسائل أخرى” تفوق في فتكها النزاعات المسلحة. وتكشف المعطيات الصادمة عما يمكن وصفه بـ “الإبادة الجماعية الصامتة”:

  • التاريخ التراكمي: تشير التقديرات إلى أن العقوبات منذ عام 1970 ترتبط بوفاة قرابة 38 مليون إنسان نتيجة الانهيار البنيوي للقطاعات الصحية.
  • الحصيلة البشرية: تشير دراسة لمجلة “ذا لانسيت” إلى أن هذه الإجراءات تتسبب في نحو 564,000 وفاة إضافية سنوياً.
  • الفئات الهشة: يمثل الأطفال دون سن الخامسة 51% من إجمالي الضحايا بسبب سوء التغذية وانهيار برامج التطعيم، يليهم كبار السن الذين يواجهون الموت نتيجة انقطاع أدوية الأمراض المزمنة.

إن هذا التباين يحول القانون الدولي إلى “نص حمال أوجه”؛ يُستدعى بقسوته ضد الضعفاء، ويُقزم ليصبح مجرد “إجراء إداري” رمزي عندما يتعلق الأمر بالأقوياء وحلفائهم، مما يضع مصداقية النظام الدولي برمته على المحك.

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً