، تم الكشف عن تفاصيل مشروع “معرفة الزبون” (KYC)، والذي يأتي في سياق خطوات متسارعة تؤكد من خلالها الجزائر عزمها على تعزيز الشفافية المالية؛ حيث يتضمن هذا المشروع إقرار إجراءات صارمة يشهدها النظام المصرفي في الجزائر، تعتمد على تحديد هوية الزبائن بدقة قبل وأثناء المعاملات المصرفية، مما يمثل حجر أساس جديد لحماية المنظومة البنكية وتطهير النشاط الاقتصادي من أي تجاوزات.
و في هذا السياق احتضنت الجزائر العاصمة، يوماً دراسياً رفيع المستوى نظمه بنك الجزائر، خصص لمناقشة وشرح الأحكام المتعلقة بإجراءات “معرفة الزبون” (KYC). وشهد اللقاء حضوراً حكومياً وازناً، إلى جانب مسؤولي البنوك والمؤسسات المالية، وممثلي الإدارات العمومية والخبراء، في خطوة تعكس جدية السلطات في إصلاح القطاع المصرفي ومحاربة الاقتصاد الموازي.
و تُلزم التدابير الجديدة لبنك الجزائر، وفقاً للتعليمة رقم 04-2026، جميع البنوك والمؤسسات المالية، بما في ذلك بريد الجزائر، بتطبيق إجراءات صارمة ومسبقة لتحديد الهوية والتحقق منها. ولا تقتصر هذه الآلية على الزبائن الدائمين (المعتادين) فحسب، بل تمتد لتشمل الزبائن العرضيين، والوكلاء أو الممثلين القانونيين، بالإضافة إلى أي شخص يتصرف نيابة عن الزبون المستفيد أو المستفيدين الحقيقيين من الحسابات؛ حيث يُشترط استيفاء هذه البيانات بالكامل قبل نشوء أي علاقة عمل أو إتمام أي عملية مالية طارئة.
لا تتوقف عملية “معرفة الزبون” عند مرحلة فتح الحساب فقط، بل تتحول إلى رقابة ديناميكية مستمرة طوال فترة علاقة العمل بين البنك والمتعامل. وتفرض التعليمة على الأعوان والموظفين في القنوات المصرفية التحقق باستمرار من طبيعة وغرض العمليات التجارية والمالية، ومطابقتها مع هوية الزبون وعنوان ممثله القانوني، وذلك بهدف بناء “ملف مخاطر” دقيق لكل متعامل؛ مما يتيح للمنظومة المصرفية رصد أي سلوك مالي غير طبيعي أو مشبوه بشكل استباقي.
بالنظر إلى حجم المنظومة المالية في الجزائر، والتي تدير أزيد من 30 مليون حساب بنكي وبريدي، تركز التفاصيل التنفيذية للمشروع على ضرورة اعتماد التدرج في التطبيق؛ حيث تُطالب البنوك بتهيئة وكالاتها المحلية وتدريب موظفي الواجهة (Front Office) لاستقبال التدفقات الكبيرة المتوقعة من الزبائن والودائع. ويأتي هذا التعبيد اللوجستي لمرافقة التجار والمتعاملين الراغبين في تسوية وضعيتهم الجبائية طوعاً، وتحفيز أصحاب الأموال في الأسواق الموازية على إدماج سيولتهم ضمن القنوات الرسمية بمرونة ودون تعقيدات بيروقراطية.
وفي كلمته الافتتاحية، أبرز وزير المالية، عبد الكريم بوالزرد، الدور المحوري الذي تلعبه البنوك والمؤسسات المالية في إنجاح التدابير الجديدة الصادرة في 30 أبريل الماضي. ودعا الوزير إلى تكثيف اللقاءات الدورية وتعميم الشروحات لفائدة موظفي القطاع البنكي، مبرراً ذلك بأن الوكالات البنكية هي الواجهة المباشرة والمستمرة في التعامل مع المواطنين والمتعاملين الاقتصاديين، لاسيما التجار.
وأشار بوالزرد إلى أن هذه الإجراءات تأتي استكمالاً لما جاء في قانون المالية لسنة 2026، مبرزاً التدابير الخاصة بالتسوية الطوعية للوضعية الجبائية للتجار، كأداة لمرافقة الإصلاحات العميقة التي يشهدها قطاع المالية.
تجارة …تطهير أكثر من 43 ألف سجل تجاري في الجزائر
من جانبه، كشف وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، عن تنسيق وثيق بين مصالحه الوزارية، جمعية البنوك، الجمارك، وبنك الجزائر بهدف تطهير نشاط التجارة الخارجية.
وأشاد الوزير بالنتائج المحققة سابقاً في هذا الإطار، حيث تم تطهير أكثر من 43 ألف سجل تجاري خلال سنتي 2020 و2021، ما أدى إلى توقيف أزيد من 12 ألف سجل تجاري وهمي كانت ترتبط بحسابات بنكية مشبوهة، مؤكداً أن الإجراءات الجديدة ستضفي شفافية أكبر على المعاملات التجارية والمالية الدولية للبلاد.
وفي سياق متصل، اعتبرت وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، آمال عبد اللطيف، أن آلية “معرفة الزبون” تشكل فرصة ذهبية لدمج الناشطين في الأسواق الموازية ضمن القنوات الرسمية، وتحفيزهم على تصحيح وضعيتهم الجبائية والامتثال لمتطلبات الشمول المالي.
من جهته، وصف وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، سيد علي زروقي، هذا الإجراء بالـ “ضروري” لحماية المنظومة المصرفية، كاشفاً أن الجزائر تضم اليوم أكثر من 30 مليون حساب بنكي ومالي (بما يشمل بريد الجزائر). ودعا زروقي إلى ضرورة اعتماد “التدرج” في التطبيق ومراعاة القدرة الاستيعابية للوكالات البريدية والمصرفية لتفادي أي ضغط خلال استقبال التدفقات الكبيرة للزبائن والودائع.

