المها “الظبي الأبيض” في الجزائر …أيقونة الصحراء الكبرى التي تصارع شبح الانقراض

تُصارع المها “الأداكس” أو ما يُعرف بـ “الظبي الأبيض”، إحدى أروع أيقونات الحياة البرية في الصحراء الكبرى، شبح الانقراض الحاد الذي بات يُهدد بمسح وجودها التاريخي من الفضاء البيئي الجزائري؛ فبعد عقود من التجوال الحر عبر العروق الرملية الشاسعة في الجنوب، دفعت هذه المهاة المهيبة ضريبة قاسية نتيجة الصيد الجائر والتغيرات المناخية الحادة، مما وضعها على رأس القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض كلياً، ومحوراً لاستراتيجيات وطنية ودولية مستعجلة تسعى الجزائر من خلالها لإنقاذ ما تبقى من هذا الإرث الإيكولوجي الفريد وإعادة توطينه في محمياتها الطبيعية قبل فوات الأوان.

و يُعتبر حيوان “الأداكس” (Addax nasomaculatus)، والمعروف في الموروث العربي باسم “مهاة الأداكس” أو “الظبي الأبيض”، أحد أكثر الثدييات إثارة للإعجاب، وأشدها تكيفاً مع قسوة البيئة الصحراوية عبر التاريخ. ومع إصدار الجزائر مؤخراً لطابع بريدي جديد يحمل صورته، عاد هذا الكائن الفريد إلى واجهة الاهتمام البيئي كرمز للتنوع البيولوجي المهدد بالاختفاء، ومحورٍ للجهود الدولية والإقليمية الرامية لإنقاذه من مقصلة الانقراض الكلي في البرية.

يتميز الأداكس بمظهره المهيب، حيث يمتلك كلا الجنسين (الذكور والإناث) قروناً طويلة وملتوية لولبياً يتراوح طولها بين 80 إلى 120 سنتيمتراً. ومن عجائب هذا الحيوان أن لون فرائه يتغير موسمياً بطريقة تحميه من التقلبات المناخية؛ ففي الصيف الحار يتحول لونه إلى الأبيض الناصع أو الأشقر ليعكس أشعة الشمس المحرقة، بينما يرتدي في الشتاء ثوباً رمادياً مائلاً للبني لامتصاص الدفء.

لقد طوّر الأداكس تشريحاً فريداً يمكنه من العيش في مناطق لا تتوفر فيها المياه لعدة أشهر؛ إذ يمتلك حوافر عريضة ومسطحة مبطنة بما يشبه “الخف” تمنعه من الغوص في الكثبان الرملية الناعمة، كما أنه يستخلص حاجته من الرطوبة والماء بالكامل من النباتات والأعشاب الصحراوية التي يتغذى عليها، ويحافظ على السوائل داخل جسده عبر إفراز بول مركز للغاية.

و يُصنف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) حيوان الأداكس في “القائمة الحمراء” للأنواع المهددة بالانقراض بشدة (Critically Endangered)، وهو تصنيف يسبق الانقراض الفعلي مباشرة.

و تشير التقارير البيئية العالمية إلى أن الأعداد المتبقية من الأداكس في الطبيعة الحرة تُعد على الأصابع، حيث يُقدّر الخبراء وجود أقل من 100 إلى 300 رأس فقط تعيش في جيوب معزولة للغاية ومترابطة بين صحراء النيجر (محمية تيرميت ماسيف) ومنطقة “إيجي بوديلي” في تشاد، ومناطق محدودة في موريتانيا.

في الأسر والمحميات: على النقيض من تدهوره البري، يزدهر الأداكس نسبيّاً في الأسر؛ حيث يتواجد ما يقارب 1000 رأس في حدائق الحيوان والمحميات الخاصة حول العالم (خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا وبعض دول الخليج العربي وشمال إفريقيا)، والتي تُستخدم كخزان جيني لإعادة التوطين.

تاريخياً، كان الأداكس يجوب مساحات شاسعة من الصحراء الجزائرية، لا سيما في العروق الرملية الكبرى والمناطق الحدودية الجنوبية. إلا أن عقوداً من الصيد الجائر غير المنظم باستخدام السيارات الرباعية الدفع والأسلحة النارية، إلى جانب التوسع في الأنشطة النفطية وتغير المناخ الذي عمق الجفاف، أدت إلى إعلان “الانقراض المحلي” لهذا الحيوان في البرية الجزائرية منذ أواخر القرن الماضي.

ورغم هذا الاختفاء الميداني، يظل الأداكس محفوراً في الهوية البيئية للجزائر؛ ولذلك تسعى الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي (في آفاق 2030) إلى فتح قنوات تعاون دولية لإعادة توطين هذا الظبي الأبيض في محمياتها الطبيعية الجنوبية المسورة والمراقبة (مثل الحظائر الثقافية في التاسيلي والأهقار)، مستفيدة من التجارب الناجحة لدول الجوار مثل تونس والمغرب التي نجحت في إعادة إطلاق مجموعات منه داخل محميات مغلقة.

إن التحدي الأكبر الذي واجه الأداكس وجعله صيداً سهلاً هو بطء حركته الطبيعية مقارنة بالغزلان الأخرى؛ حيث يميل إلى الجري حتى الإنهاك الشديد عند مطاردته.

اليوم، يمثل خطوة إطلاق المنصة الرقمية للتنوع البيولوجي في الجزائر والمتحف الوطني البيئي ، أدوات علمية هامة لتوثيق جينات هذا الحيوان والتوعية بأهميته. وتؤكد الهيئات البيئية أن إنقاذ الأداكس في الفضاء الصحراوي المشترك يتطلب تنسيقاً أمنياً وبيئياً عابراً للحدود بين دول الساحل وشمال إفريقيا لوقف الصيد الجائر وحماية ما تبقى من موائله الطبيعية، لكي لا تتحول هذه “المهاة اللولبية” إلى مجرد رسم على طابع بريدي أو مجسم في المتاحف.

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً