شنّ الدكتور جودة عبد الخالق، المفكر الاقتصادي ووزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، هجوماً حاداً على السياسات الاقتصادية والمالية التي تنتهجها الحكومة المصرية الحالية برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، واصفاً عدداً من المشروعات القومية المنفذة في السنوات الأخيرة بأنها تمثل “استنزافاً للموارد العامة” للدولة.
وأوضح عبد الخالق، في تصريحات نشرتها صحيفة “فيتو” المصرية، أن حجم الإنفاق المخصص لبعض هذه المشروعات لا يتناسب مع عوائدها الاقتصادية الملموسة. وأشار بالتحديد إلى التوسع الراهن في تشييد المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة بالمنطقتين الصحراويتين، مثل مدينتي العلمين الجديدة والقاهرة الجديدة، مبيناً أن تنفيذها عبر هيئة المجتمعات العمرانية يفرض ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والمرافق الأساسية، في وقت تواجه فيه المدن والمحافظات القائمة بالفعل تحديات حادة ترتبط بجودة الخدمات العامة وشبكات البنية الأساسية.
وأضاف وزير التموين الأسبق أن هذا التوسع العمراني في الصحراء يستوجب أعباءً مالية إضافية متمثلة في مد شبكات طرق، ومرافق صرف صحي، وخدمات لوجستية جديدة، ناهيك عن تنفيذ مشروعات نقل كبرى ومكلفة مثل “المونوريل”، وهي مشروعات تتطلب -وفق تعبيره- إعداد حسابات دقيقة للغاية لقياس جدواها ومردودها الاقتصادي والاجتماعي قبل التنفيذ.
وانتقد عبد الخالق تركيز جانب كبير من الإنفاق العام صوب المشروعات العقارية والمجمعات السكنية المغلقة “الكمبوندات”، معتبراً أن العديد منها يُطلق دون دراسات جدوى واضحة، مع الاعتماد أحياناً على الاقتراض لتمويلها. كما فرّق بين نوعين من الاستثمارات؛ “الاستثمارات المنتجة” التي ترفع الطاقة الإنتاجية للدولة وتدر عوائد مباشرة، وبين “الاستثمارات ذات العائد غير المنظور”، مستشهداً بمشروع “ممشى أهل مصر” الذي يرى أنه لم يضف قيمة اقتصادية حقيقية تتكافأ مع حجم الأموال الموجهة إليه، خاصة عقب فرض رسوم مالية على المواطنين لاستخدامه. وتطرق أيضاً إلى مشروعات تطوير الطرق، ومنها توسعات طريق “مصر – الإسكندرية الصحراوي”، معتبراً أنها تخدم شرائح مجتمعية محددة أكثر من غيرها، مما يثير تساؤلات حول عدالة توزيع الموارد العامة وأولويات الإنفاق الحكومي.
في المقابل، تؤكد الحكومة المصرية عبر بياناتها الرسمية استمرارها في تنفيذ خطة التوسع العمراني الشاملة خارج نطاق الوادي والدلتا الضيقين، وتشدد على أن هذه المشروعات تُمثل استثمارات طويلة الأجل وهادفة لإعادة توزيع الخريطة السكانية وتخفيف التكدس عن العاصمة والمدن القديمة، فضلاً عن دورها في جذب رؤوس الأموال والأنشطة الاقتصادية وتوفير ملايين فرص العمل وتحفيز معدلات النمو.
واختتم وزير التموين الأسبق رؤيته بالدعوة إلى ضرورة تعزيز الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان المصري، عبر تفعيل صلاحياته في مناقشة ومراجعة بنود الموازنة العامة للدولة بشكل أكثر حسمًا، مؤكداً أن تجاوز الاختلالات المالية الحالية يتطلب بالأساس إصلاحاً يضمن فرض المزيد من الرقابة والمساءلة على القرارات الاقتصادية والمالية الصادرة.

