تفاصيل أزمة السلك الدبلوماسي الأمريكي

يواجه السلك الدبلوماسي الأمريكي أزمة بنيوية وهيكلية هي الأخطر في تاريخه الحديث، عقب كشف تحقيقات صحفية موسعة أجرتها شبكة “NBC News” الأمريكية عن نزيف بشري حاد داخل وزارة الخارجية؛ أسفر عن مغادرة نحو 2,000 دبلوماسي وموظف في الخدمة الخارجية مناصبهم خلال العام الماضي فقط، وسط تحذيرات من فقدان واشنطن لنفوذها الدولي و”ذاكرتها المؤسسية” في إدارة الأزمات العالمية.

التحقيق الذي تقاطع مع تقارير وإحصاءات صادرة عن الجمعية الأمريكية للخدمة الخارجية (AFSA)، أكد أن الخارجية الأمريكية فقدت ما يقارب 20% من إجمالي قوتها العاملة منذ مطلع عام 2025، في موجة استقالات وتقاعد مبكر وتسريحات إجبارية متزامنة، عكست تغييرات جذرية في عقيدة وآليات عمل الدبلوماسية الأمريكية تحت القيادة السياسية الحالية للوزارة بقيادة ماركو روبيو.

و كشفت التحقيقات أن تقليص أعداد الكوادر الدبلوماسية لم يكن مجرد رغبة طوعية في المغادرة، بل جاء نتاج استراتيجيات إدارية وسياسية صارمة فرضتها الإدارة الحالية، وجاءت تفاصيلها على النحو التالي:

و  شهد شهر ماي 2026 ذروة التصعيد الإداري، حيث تبلغ ما يقرب من 250 ضابط خدمة خارجية مخضرماً بإنهاء خدماتهم بشكل فجائي عبر رسائل بريد إلكتروني مقتضبة، تحت بند “تقليص القوة العاملة” (Reduction in Force).

و  بموجب قانون الخدمة الخارجية لعام 1980، يمنح السفراء والدبلوماسيون العائدون من الخارج مهلة 90 يوماً فقط لإيجاد منصب جديد داخل الوزارة أو التقاعد. ومع تجميد الترقيات الفيدرالية وإلغاء العديد من المناصب الإدارية والاستشارية، أُجبر العشرات من كبار الكفاءات على التقاعد التلقائي لعدم توفر شواغر.

و  أدى التفكيك الهيكلي الكامل للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، وتجميد برامج المساعدات الإنسانية واللاجئين، إلى إقفال مئات المكاتب وتصفية وظائف دبلوماسية ميدانية وازنة في مناطق نزاع حساسة.

و أشارت “NBC News” في تحقيقها إلى عامل نفسي وبيئي حاسم دفع المئات للاستقالة الطوعية؛ وهو استبدال معيار الكفاءة الدبلوماسية المهنية بمعيار “الولاء السياسي المطلق”. واعتمدت الإدارة على دائرة ضيقة جداً من المستشارين لإدارة الملفات الإستراتيجية الكبرى، مصل تجميد قنوات التواصل المهنية التقليدية، مما خلق بيئة عمل وصفتها شهادات دبلوماسيين في التحقيق بأنها “تزرع الخوف وتهمّش الكوادر المستقلة”.

كما أبدى دبلوماسيون مستقيلون امتعاضهم من إجبارهم على تنفيذ سياسات خارجية تتعارض مع الأعراف الإنسانية، كاستخدام أموال الإغاثة الدولية كوسيلة ضغط لتشجيع المهاجرين في بعض الدول على “الترحيل الذاتي”، ففضلوا إنهاء مسيرتهم المهنية على التنفيذ.

وفي البرقيات والرسائل المتبادلة عبر “قنوات المعارضة الداخلية” بالوزارة (Dissent Channel)، حذر دبلوماسيون كبار من العواقب الوخيمة لهذا التفريغ؛ حيث إن المغادرين يمثلون الطبقة العليا من الموظفين الذين يمتلكون عقوداً من الخبرة، وشبكات علاقات دولية معقدة، ومهارات لغوية نادرة. وأكدت التحذيرات أن غياب أمريكا الدبلوماسي سيترك فراغاً دولياً شاسعاً ستستغله قوى منافسة مثل الصين وروسيا لفرض أجنداتها في أفريقيا، والشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية.

في المقابل، فندت وزارة الخارجية الأمريكية هذه الاتهامات؛ ووصف المتحدث باسم الوزارة، تومي بيغوت، المزاعم القائلة بتفريغ الوزارة بأنها “زائفة ولا أساس لها من الصحة”.

وأوضحت الوزارة أن الإجراءات الحالية هي عملية “إعادة هيكلة تحديثية” تهدف لإنهاء البيروقراطية وجعل الدبلوماسية أكثر مرونة وتماشياً مع عقيدة “أمريكا أولاً”. وأكدت الإدارة أنها بدأت بالفعل عمليات توظيف لعناصر جديدة، مؤكدة سعيها للإبقاء على حجم أصغر وأكثر كفاءة للوزارة في المخططات الاستراتيجية المقبلة.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً