شهد قطاع التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر خلال العشر سنوات الأخيرة طفرة هيكلية وإحصائية غير مسبوقة، متحولاً من مجرد قطاع لاستيعاب المتسربين من النظام التربوي إلى ركيزة أساسية لتزويد الاقتصاد الوطني باليد العاملة المؤهلة ومرافقة المشاريع الاستراتيجية للدولة.
و تظهر المؤشرات الإحصائية الممتدة عن سوق التكوين المهني في الجزائر زيادة مطردة في قدرة القطاع الاستيعابية؛ فبينما كانت المؤسسات التكوينية تدير نحو 450,000 مقعد بيداغوجي، قفزت العروض التكوينية لتتجاوز 650,000 إلى 700,000 مقعد بيداغوجي سنويًا موزعة بين دورتي (أكتوبر وفيفري).
هذا النمو العددي تدعمه شبكة هيكلية واسعة النطاق تشمل حالياً أزيد من 1220 مؤسسة تكوينية عمومية (تضم مراكز التكوين المهني CGFP، والمعاهد الوطنية المتخصصة INSFP)، يضاف إليها أزيد من 750 مؤسسة تكوينية خاصة معتمدة، مما يضمن تغطية جغرافية كاملة لجميع ولايات الوطن.
و تحول التكوين عن طريق التمهين (Apprentissage) – وهو النمط الذي يجمع بين الدراسة النظرية والممارسة الميدانية داخل المؤسسة الاقتصادية – ليكون النمط الغالب في القطاع، مستحوذاً على نسبة تتراوح بين 55% إلى 60% من إجمالي المتربصين المسجلين.
وتشير أرقام الشراكة إلى إبرام الوزارة لأكثر من 15,000 اتفاقية شراكة مع متعاملين اقتصاديين (عموميين وخواص) خلال العقد الأخير، مما أتاح توفير فضاءات تطبيقية مباشرة للشباب وتسهيل إدماجهم المهني.
و قد طرأ تغيير جذري على خيارات التخصصات المهنية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث جرى تحيين “مدونة التخصصات الشعبية والمهنية” لتضم اليوم 23 شعبة مهنية وأزيد من 495 تخصصاً.
- الرقمنة وتكنولوجيا الإعلام: ارتفعت نسبة التخصصات الموجهة للمعلوماتية والاتصالات بنسبة 25% لتلبية الطلب المتزايد للمؤسسات الناشئة.
- الطاقات المتجددة والفلاحة: شهدت تخصصات الطاقة الشمسية، والبيئة، والتقنيات الفلاحية الحديثة قفزة نوعية لتشكل نحو 15% من مجمل العروض الجديدة تماشياً مع مخطط الأمن الغذائي والانتقال الطاقوي.
- البناء والأشغال العمومية والصناعة: حافظت على صدارتها كأكثر القطاعات طلباً لليد العاملة المؤهلة بنسبة استيعاب تقليدية قوية.
هذا و لم يعد القطاع يقتصر على فئة الشباب الجدد، بل امتد ليعزز “التكوين المستمر” للعمال في إطار تحسين كفاءاتهم؛ حيث تشير البيانات إلى تكوين وتأهيل أزيد من 60,000 عامل سنوياً بموجب الاتفاقيات المبرمة مع المؤسسات الصناعية والخدماتية لرفع إنتاجيتها.
و توجت العشرية الأخيرة بالانتقال الرقمي الكامل عبر إطلاق منصة “مهنتي” للتسجيلات الإلكترونية والتي يسجل من خلالها مئات الآلاف سنوياً، تلتها منصة “المرجع الوطني للتكوينات والكفاءات” (RNFC)، مما ساهم في خفض البيروقراطية الإدارية بنسبة 100% في عمليات التسجيل والتوجيه، وسمح برسم خارطة طريق رقمية واضحة تربط مخرجات التكوين بمتطلبات سوق الشغل الفعلي في الجزائر.

