تمثل تجربة الجزائر في تحلية مياه البحر واحدة من أنجح التجارب في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، حيث انتقلت البلاد من الاعتماد شبه الكلي على المياه السطحية والجوفية إلى جعل التحلية ركيزة أساسية في الأمن المائي الوطني. يعود تاريخ هذه التجربة إلى عقود خلت، مرت خلالها بعدة مراحل تحولية جعلت الجزائر اليوم في طليعة منتجي المياه المحلاة عالمياً.
- قفزة نوعية: مصنع مستغانم لتحلية مياه البحر (1980)
- مرحلة التحول الاستراتيجي في السايسة المائية للجزائر: أزمة 2001-2002
- مرحلة الانطلاقة الكبرى: الشراكة الدولية (2003-2010)
- مرحلة التعزيز والاعتماد على الذات في تكنلوجيا تحلية مياه البحر (2011-2023)
- المرحلة الاستعجالية الجديدة: قفزة 2025 والاعتماد على الكفاءات الوطنية
لم تكن انطلاقة تجربة التحلية في الجزائر مرتبطة بالشرب كما هو الحال اليوم، بل كانت حاجة صناعية بحتة. فمع اكتشافات النفط والغاز وتطور الصناعة البتروكيماوية بعد الاستقلال، برزت الحاجة إلى مياه عالية النقاء للاستخدامات الصناعية.
تعود أول محطة تحلية في الجزائر إلى عام 1964 في أرزيو، حيث تم تركيب وحدة صغيرة بطاقة إنتاجية 576 متراً مكعباً يومياً تعمل بتقنية “متعدد التأثيرات” (Multi Effects)، وكانت مخصصة لخدمة مجمع الغاز المسال. تبعتها في العام نفسه محطة أخرى في أرزيو بطاقة 4,560 متراً مكعباً يومياً بتقنية “الوميض متعدد المراحل” (MSF).
طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات، توسعت شركة سوناطراك الوطنية للنفط والغاز في إنشاء محطات التحلية لتلبية احتياجاتها الصناعية. وبحلول عام 1982، كانت سوناطراك قد بنت 31 محطة تحلية بطاقة إجمالية تقدر بنحو 107,401 متر مكعب يومياً. كما ساهمت شركة سونلغاز للكهرباء والغاز بإنشاء محطات لتزويد محطاتها البخارية بمياه عالية النقاء.
قفزة نوعية: مصنع مستغانم لتحلية مياه البحر (1980)
في عام 1980، حققت الجزائر إنجازاً عالمياً بافتتاح محطة تحلية في مستغانم بطاقة إنتاجية بلغت 57,600 متر مكعب يومياً، وهي الأكبر في العالم في ذلك الوقت من نوعها بتقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis). صُممت هذه المحطة لتزويد مصنع للورق بالمياه، مما يعكس أن التحلية في تلك الفترة كانت حكراً على القطاع الصناعي.
و خلال هذه الفترة، ظل الاعتماد على التحلية لسد احتياجات الشرب غائباً تقريباً، باستثناء تجارب محدودة مثل وحدة أولاد جلال بولاية بسكرة (1981) والمخصصة لإزالة الملوحة من المياه الجوفية[ citation:10]. اعتمدت السياسة المائية للدولة بشكل أساسي على بناء السدود لتجميع مياه الأمطار، مع تحلية محدودة للمياه قليلة الملوحة في الجنوب. وكما يشير تحليل لتلك الفترة، فإن استخدام تحلية مياه البحر للشرب “بدأ يظهر في أوائل الثمانينيات مع ظاهرة الجفاف المتزايدة”، لكنه ظل ثانوياً[ citation:4].
مرحلة التحول الاستراتيجي في السايسة المائية للجزائر: أزمة 2001-2002
شكلت سنوات الجفاف الحاد في 2001-2002 نقطة تحول جذرية في السياسة المائية الجزائرية. تسببت موجة الجفاف في انخفاض حاد في منسوب السدود وتراجع المياه الجوفية، مما أدى إلى أزمة مياه خانقة في المدن الساحلية الكبرى، وعلى رأسها العاصمة.
تحت الضغط، أطلقت الحكومة برنامجاً عاجلاً لتركيب 21 محطة تحلية وحيدة الكتلة (مونوبلوك) صغيرة الحجم على طول الساحل. تم توزيع هذه المحطات ذات الطاقات التي تتراوح بين 2,500 و5,000 متر مكعب يومياً على ولايات الجزائر، بومرداس، تيبازة، سكيكدة، وتلمسان.
أسندت أشغال هذه المحطات لشركات أجنبية مثل “ليندي” الألمانية و”هايدرو تراتمان” الجزائرية “Hydro-Traitement”. لكن التجربة كانت متعثرة نوعاً ما، حيث تم حفر آبار التغذية على الشواطئ دون دراسات جيولوجية مسبقة، مما تسبب في تأخير تشغيل العديد منها. ورغم صعوباتها، مهدت هذه المرحلة الانتقال من النظرة إلى التحلية كحل طارئ إلى تبنيها كخيار استراتيجي.
مرحلة الانطلاقة الكبرى: الشراكة الدولية (2003-2010)
أدركت السلطات الجزائرية أن الحلول الصغيرة لن تكفي، فقررت الانطلاق في أكبر برنامج لتحلية مياه البحر في أفريقيا. تم إنشاء شركة الطاقة الجزائرية (AEC)، وهي مشروع مشترك بين سوناطراك وسونلغاز، لتكون الذراع التنفيذي والمشغل لهذه المشاريع العملاقة بنظام البناء والتملك والتشغيل (BOOT) ونظام البناء والتشغيل والتحويل (BOT) بالشراكة مع كبرى الشركات العالمية.
تميزت هذه الفترة بتدشين عدد من المحطات العملاقة التي غيرت خريطة التزويد بالمياه في الجزائر:
محطة قهرامة (أرزيو) – 2005: كانت أولى المحطات الكبرى التي دخلت الخدمة فعلياً في أغسطس 2005 بطاقة 90,000 متر مكعب يومياً. أسهمت في تخفيف العبء المائي عن مدينة وهران والمنطقة الغربية.
محطة الحامة (الجزائر) – 2008: تعتبر الأيقونة الحقيقية لهذه المرحلة. وقع العقد في ديسمبر 2003 مع شركة “أيونيكس” الأمريكية، قبل أن تستحوذ عليها “جنرال إلكتريك” (GE). تم تدشين المحطة في 24 فبراير 2008 من قبل رئيس الجمهورية آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، بطاقة إنتاجية 200,000 متر مكعب يومياً. كانت هذه المحطة، التي بنتها الشركة المصرية “أوراسكوم للإنشاءات”، الأكبر من نوعها في أفريقيا عند تشغيلها، وزودت العاصمة بنحو ثلث احتياجاتها.
محطة بني صاف (عين تموشنت) – 2010: دخلت الخدمة في ديسمبر 2009/2010 بطاقة 200,000 متر مكعب يومياً بتكلفة 240 مليون دولار من تنفيذ تحالف “كوبرا” الإسباني.
و تم تحديد هدف طموح يتمثل في إنجاز 13 محطة تحلية كبرى بطاقة إجمالية تبلغ 2.31 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2010. شمل البرنامج محطات إضافية في سكيكدا (2008/2009، 100,000 م³/ي)، حناين (2012، 200,000)، سوق ثلاثاء (2011، 200,000)، تنس (2015، 200,000)، فوكة (2011، 120,000)، كاب جنات (2012، 100,000). تميزت هذه المرحلة بالاعتماد شبه الكلي على الخبرات الأجنبية من الولايات المتحدة، إسبانيا، وسنغافورة.
مرحلة التعزيز والاعتماد على الذات في تكنلوجيا تحلية مياه البحر (2011-2023)
مع استقرار القدرات الإنتاجية، انتقلت الجزائر إلى مرحلة تعزيز البنية التحتية القائمة وإنشاء محطات ذات طاقات استثنائية:
محطة المقطع (وهران): دخلت الخدمة في يوليو 2016 (أو فبراير 2013 حسب بعض المصادر) بطاقة إنتاجية هائلة بلغت 500,000 متر مكعب يومياً. أنجزتها شركة “هايفلكس” السنغافورية، لتصبح لفترة أطول محطة تحلية في الجزائر وأفريقيا، مخصصة لتزويد خمسة ملايين نسمة بالماء الصالح للشرب.
محطة مستغانم الجديدة (2024): استكمالاً للمرحلة، دخلت محطة مستغانم الجديدة بطاقة 500,000 متر مكعب يومياً حيز الخدمة.
المرحلة الاستعجالية الجديدة: قفزة 2025 والاعتماد على الكفاءات الوطنية
مع تزايد الضغط على الموارد المائية التقليدية بسبب التغير المناخي والنمو السكاني، وأمام تعثر بعض المشاريع القديمة، أطلقت الجزائر في أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين برنامجاً استعجالياً جديداً، لكن هذه المرة بطابع مختلف تماماً.
محطات 2025: إنجاز قياسي وطني
في بداية عام 2025، تم تدشين 5 محطات كبرى (بدلاً من 4 كما ورد في بعض المصادر الأولية) في كل من:
- كودية الدراوش (الطارف) – 300,000 م³/ي
- كاب جنات (بومرداس) – 300,000 م³/ي
- فوكة (تيبازة) – 300,000 م³/ي
- الرأس الأبيض (وهران) – 300,000 م³/ي
- بجاية – 300,000 م³/ي
تميزت هذه المرحلة بكونها أنجزت من قبل شركات وطنية بحتة مثل كوسيدار وسوناطراك وسونلغاز، مما شكل نقلة نوعية في نقل التكنولوجيا وتوطين الخبرات في مجال تحلية المياه. كانت النتيجة مذهلة: قفزت القدرة الإنتاجية الوطنية من 2.2 مليون متر مكعب يومياً إلى 3.7 مليون متر مكعب يومياً دفعة واحدة.
لقد مثّلت هذه المرحلة مفصلاً تاريخياً في مسار التنمية المستدامة، حيث توّجت الجهود الحثيثة بتربع الجزائر على صدارة المنتجين للمياه المحلاة في القارة الأفريقية. وتجسيداً لهذا التحول الهيكلي، قفزت مساهمة تحلية مياه البحر في تلبية احتياجات الشرب من 18% إلى 42% من إجمالي الإنتاج الوطني، وهو ما مكّن من بلوغ الهدف الاستراتيجي بتأمين إمدادات المياه لـ 8 ملايين نسمة إضافيين على طول الشريط الساحلي. وتعد هذه الأرقام ركيزةً أساسية في استراتيجية الدولة نحو تحقيق ‘الأمن المائي الكلي’ بحلول آفاق 2030، بما يضمن استدامة الموارد ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي
و لم تتوقف الطموحات عند هذا الحد. وفقاً لأحدث الإعلانات الحكومية لعام 2026، فإن الجزائر مقبلة على مرحلة جديدة لا تقل طموحاً:
6 محطات إضافية: تم الكشف عن بدء إنجاز 6 محطات كبرى جديدة في ولايات سكيكدة، جيجل، تيزي وزو، الشلف، مستغانم، وتلمسان، تبلغ طاقة كل منها 300,000 متر مكعب يومياً.
الهدف 2030: تخطط الجزائر للوصول إلى 27 محطة تحلية بطاقة إنتاجية إجمالية تبلغ 5.7 مليون متر مكعب يومياً، لتغطي بذلك 60% من احتياجات المواطنين من مياه الشرب، مع استثمار يقدر بنحو 8 مليارات دولار.
و كخلاصة إن تاريخ تحلية المياه في الجزائر ليس مجرد سرد لبناء محطات، بل هو قصة تحول وطني. بدأت رحلة شاقة كحاجة صناعية بمحطات صغيرة في أرزيو، تحولت إلى خيار طوارئ إثر أزمة جفاف في الألفية الثالثة، لتستقر اليوم كركيزة استراتيجية للأمن المائي. بعد أن كانت الجزائر مستورداً للخبرات والشركات من جميع أنحاء العالم (أمريكا، إسبانيا، سنغافورة)، أصبحت اليوم تعتمد على كفاءاتها الوطنية لتنفيذ أكبر المشاريع، مؤكدة بذلك قدرتها على قلب التحديات إلى فرص، والخروج من دائرة التبعية المائية نحو سيادة واستقلالية مائية حقيقية.
كما تُظهر هذه التجربة، التي بدأت بتقنيات متعددة كالـ MSF والـ MED والـ ED، كيف أن التطور التكنولوجي والالتزام السياسي قادران على تحويل مياه البحر المالحة إلى شريان حياة لملايين البشر، في واحد من أكثر المناطق تأثراً بالتغير المناخي والإجهاد المائي في العالم.
المصدر: الصحفي

