“صحاب البارود” في الجزائر.. فلكلور المقاومة و فن حافظ لذاكرة الاستقلال ؟

في سياق احتفالات الجزائر بالذكرى 64 للاستقلال، يبرز فلكلور “أصحاب البارود” كأحد أعمدة التراث الوطني، وفناً حياً يحافظ على الذاكرة والتقاليد. هذا الفن، المعروف أيضاً بـ”الفانتازيا” أو “لعبة البارود”، هو تقليد استعراضي أصيل يتجذر في أعماق التاريخ الجزائري، حيث يجمع بين الفروسية وإطلاق البارود في مشاهد مهيبة تُخلّد روح البطولة والشجاعة.

وتكمن رمزية فانتازيا “صحاب البارود” في تجسيدها لتعلق الجزائريين بالفروسية، التي تمثل رمزاً تاريخياً وتراثياً تتوارثه الأجيال. وهي استحضار لملاحم المقاومة  العسكرية التاريخية ضد المستعمر، ورمز للقوة والشجاعة والإقدام.

تُعرف “الفانتازيا” في الجزائر بأنها استعراض تقليدي للفروسية يُقام في المهرجانات الثقافية وحفلات الأعراس والمناسبات الدينية. وهي فن قائم بذاته، يُطلق عليه محلياً اسم “صحاب البارود”، ويُعتبر نوعاً من الفنون القتالية التي تحاكي هجمات الفرسان في المعارك القديمة.

يعتمد هذا الفن على أداء جماعي منظم، حيث يصطف الفرسان في خط مستقيم، مرتدين أزياء تقليدية موحدة تعكس هوية كل منطقة. يطلقون الخيل في عدو سريع لمسافة تصل إلى مئتي متر، وعند نقطة النهاية، يرفعون بنادقهم التقليدية (المخال) ويطلقونها في الهواء في تزامن تام بحيث لا يسمع الجمهور سوى صوت طلقة واحدة قوية. هذا التزامن هو جوهر الفن، ويعكس مهارة الفرسان ودقة تنسيقهم.

إلى جانب فن الفروسية، توجد في الجزائر عروض أخرى للبارود تؤدى بدون خيل، ويعرف هذا الفن باسم “رقصة الصف” أو “فلكلور الصف” . وهو تقليد فلكلوري أصيل ينتشر في الغرب والجنوب الغربي الجزائري، وخاصة في مناطق ولاية تلمسان .

تتميز رقصة الصف بأنها استعراض جماعي، حيث يصطف المشاركون في صفوف منتظمة، ويؤدون حركات متناغمة مصحوبة بـ أهازيج وأشعار تراثية، مع إطلاق البارود بالبنادق التقليدية في تزامن بديع . وتختلف عن فروسية البارود في كونها تؤدى على الأقدام، ويشارك فيها كل من الرجال والنساء، مما يمنحها طابعاً شعبياً مميزاً .

ارتبط هذا الفن ارتباطاً وثيقاً بكفاح الشعب الجزائري ضد المستعمر الفرنسي، وكانت النساء يقدمنه في الغرب والجنوب الغربي تخليداً لبطولات الشهداء والمجاهدين .

التقط المستشرقون الفرنسيون هذا الفن، وأطلقوا عليه اسم “الفانتازيا” منذ عام 1832، بفضل لوحات الرسام الفرنسي أوجين ديلاكروا، ليصبح لاحقاً موضوعاً مفضلاً لدى رسامي الاستشراق.

اليوم، يظل هذا الفلكلور حياً في جميع أنحاء الجزائر، وتشرف على تنظيمه الاتحادية الجزائرية للفروسية، التي تضم 140 جمعية فروسية موزعة على تسع رابطات جهوية، منها الأوراس والهضاب والواحات والصحراء. وتشارك فرق “أصحاب البارود” في المواسم والاحتفالات السنوية، كالموسم الديني في “سيدي أحمد المجذوب” بولاية النعامة، أو “عيد الحصان” في تيارت، مما يجعلها جسراً يربط الأجيال بتراث الأجداد.

بهذا، يبقى “أصحاب البارود” رمزاً للهوية الجزائرية ، وفناً حياً يحافظ على الذاكرة، ويمثل استمرارية التراث الفروسي في الجزائر المعاصرة.

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً