ناتو 2026…نحو إعادة تعريف التحالف في عصر التحولات

في مشهد يعكس تحولاً جيوسياسياً عميقاً، تستعد العاصمة التركية أنقرة لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) يومي 7 و8 جويلية 2026، في أول قمة يعقدها الحلف في تركيا منذ قمة إسطنبول عام 2004.

تجمع القمة قادة الدول الأعضاء الـ32، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وشركاء من منطقة المحيطين الهندي والهادئ (أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية) ومنطقة الخليج العربي (البحرين والكويت وقطر والإمارات) .

تأتي هذه القمة في لحظة فارقة يشهد فيها التحالف، الذي تأسس قبل 77 عاماً، تحولات جذرية في هيكله وطريقة عمله، وسط توترات غير مسبوقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وإعادة تعريف للدور الأمريكي في أمن القارة العجوز .

“ناتو 3.0”: النموذج الجديد للتحالف

يصف المراقبون والمحللون قمة أنقرة بأنها المحطة التي سيشهد فيها الحلف تبني “استراتيجية الناتو 3.0″، التي تمثل نقلة نوعية في تاريخ التحالف بعد مرحلتين سابقتين: مرحلة الحرب الباردة (1949-1991) التي ركزت على الردع الجماعي، والمرحلة الثانية (1991-2020) التي تحولت نحو إدارة الأزمات. أما “ناتو 3.0” فتقوم على ثلاثة محاور رئيسية :

إعادة توزيع الأدوار الدفاعية: تتحمل أوروبا المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي للقارة، بينما تركز الولايات المتحدة على الردع النووي والقدرات الاستراتيجية التي لا تستطيع أوروبا تكرارها، مثل الاستخبارات، النقل الجوي الاستراتيجي، الأقمار الصناعية، والقيادة والسيطرة .

ثورة في الميزانيات: التزام جميع الدول الأعضاء بزيادة الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعة بين 3.5% للإنفاق العسكري الأساسي و1.5% للاستثمارات المرتبطة بالأمن مثل البنية التحتية والسيبرانية . جاء هذا الالتزام في قمة لاهاي عام 2025، ويُعد ترجمة لمطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التاريخية .

توسيع مفهوم الدفاع: ليشمل ليس فقط الدفاع التقليدي، بل أيضاً الأمن السيبراني، الطاقة، وسلاسل توريد الصناعات الدفاعية .

 أبرز الملفات على طاولة قمة الناتو 2026

1. زيادة الإنفاق الدفاعي والصناعة العسكرية

تتوقع الصحافة العالمية أن تشهد القمة نقاشات حاسمة حول ترجمة التزامات الإنفاق إلى قدرات قتالية فعلية. أعلن الأمين العام مارك روته أن الحلفاء الأوروبيين وكندا أنفقوا 90 مليار دولار إضافية في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، ليصل المجموع إلى أكثر من 570 مليار دولار . ومن المتوقع أن تشهد القمة عقوداً دفاعية بمليارات الدولارات لتسريع الإنتاج العسكري وتعزيز القاعدة الصناعية للحلف .

وكشف روته أن إجمالي ما أنفقه الحلفاء على الدفاع منذ ولاية ترامب الأولى بلغ نحو تريليون دولار، وهو ما وصفه بـ”تريليون دولار الرئيس ترامب”، مؤكداً ضرورة تحويل هذه الاستثمارات إلى قدرات حقيقية .

2. الدعم المستمر لأوكرانيا

ستؤكد القمة التزامها السياسي والعسكري بدعم أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي. يُتوقع أن يحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عشاء عمل على هامش القمة يستضيفه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان . ومع ذلك، تباينت الآراء حول عضوية أوكرانيا في الحلف، حيث بدا هذا الاحتمال أكثر بعداً مما كان عليه في القمم السابقة . ووصف رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترشون الوضع الأمني الأوروبي بأنه ما زال يتحدد بالحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أن “الأمن الأوروبي يُكتب اليوم في أوكرانيا” .

3. الالتزام بالمادة 5 والوحدة

في ظل الشكوك الأمريكية السابقة حول الالتزام بالدفاع الجماعي، من المتوقع أن يعيد الحلفاء التأكيد على التزامهم “الثابت الذي لا يتزعزع” بالمادة 5 من معاهدة الناتو، التي تنص على أن الهجوم على أي دولة عضو هو هجوم على الجميع .

ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة بشأن استمرار التزام واشنطن بهذا المبدأ. فقد انتقد ترامب في منشور على منصته “تروث سوشيال” قبل القمة مباشرة إنفاق الولايات المتحدة لحماية أعضاء الناتو “دون الحصول على أي فائدة من ذلك” . كما أعلنت واشنطن عن سحب قوات من أوروبا، بما في ذلك حوالي 5,000 جندي من ألمانيا، وإلغاء نشر لواء مدرع في بولندا، ومراجعة شاملة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا .

4. الجبهة الجنوبية والتهديدات الجديدة

ستوسع القمة مفهوم الأمن ليشمل حماية البنية التحتية الحيوية، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، وقدرات الاستجابة للطوارئ. ستحظى الجبهة الجنوبية (البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا) باهتمام خاص، حيث يُنظر إلى التهديدات القادمة منها على أنها لا تقل أهمية عن تلك القادمة من الجبهة الشرقية (روسيا) . ومن المقرر عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية مع شركاء “مبادرة التعاون في إسطنبول” التي أطلقت عام 2004 وتضم دول الخليج .

دور تركيا ومحور الصناعات الدفاعية

تسعى تركيا، بصفتها الدولة المضيفة، إلى لعب دور جسر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. صرح الرئيس أردوغان بأن القمة يجب أن تركز على تعزيز “روح الوحدة والتضامن”، مشدداً على أن تركيا “عضو موثوق” و”شريك لا غنى عنه” في الحلف . وأكد وزير الخارجية هاكان فيدان أن انعقاد القمة في أنقرة بحد ذاته “إنجاز كبير”، وأنها ستحظى بأهمية تاريخية .

و كرر أردوغان مطالب تركيا برفع القيود على التجارة في الصناعات الدفاعية، وإشراكها في المبادرات الأمنية الأوروبية، معتبراً أن مساهماتها في أمن أوروبا لا تحظى بالتقدير الكافي .

و  لأول مرة في تاريخ قمم الناتو، سيُعقد منتدى للصناعات الدفاعية ضمن البرنامج الرسمي للقمة، في خطوة تعكس الأولوية المتزايدة لتطوير القدرات الإنتاجية للحلف . وتأتي هذه الخطوة في وقت أشادت فيه واشنطن بالقدرات الصناعية الدفاعية التركية، ودعت الحلفاء لأن يكونوا “أكثر شبهاً بتركيا” .

في المجمل، تُعد قمة أنقرة محطة فارقة في مسار الحلف، حيث تسعى إلى تدشين مرحلة جديدة توازن فيها أوروبا بين اعتمادها التاريخي على واشنطن ومسؤولياتها المتزايدة عن أمنها، في ظل قيادة أمريكية تضع مصالحها الوطنية في المقام الأول وتضغط من أجل تغيير جذري في بنية التحالف .

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً