مشروع “اعرف عميلك”…ما يجب أن تعرفه عن التحول البنكي في الجزائر ؟

من خلال مشروع  “اعرف عميلك” (KYC)  يشهد القطاع الببنكي في الجزائر في خطوة تعكس إرادة الدولة الجزائرية في تعزيز الشفافية المالية والاندماج في المنظومة المصرفية الدولية،

و كان بنك الجزائر في الثلاثين من أفريل عام 2026 قد أصدر تعليمة حملت الرقم 04-2026، جاءت لتجسيد أحكام النظام رقم 24-03 الصادر في جويلية من العام 2024، والمتعلق بالوقاية من جريمة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.

هذه التعليمة لم تأت وليدة الصدفة، بل هي ثمرة مسار طويل من الإصلاحات الهيكلية التي تخوضها الجزائر لتحديث قطاعها المالي ورفع مستوى امتثاله للمعايير الدولية، ولا سيما تلك الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF)، في محاولة جادة للخروج من القائمة الرمادية التي تضعف تنافسية الاقتصاد الوطني وتعقد علاقاته المالية مع الخارج.

الإطار الفلسفي للتعليمة: من جمع بيانات إلى إدارة مخاطر شاملة

ما يميز التعليمة الجديدة أنها لم تتعامل مع إجراءات “اعرف عميلك” على أنها مجرد مهمة إدارية شكلية تكتفي بجمع صور من وثائق الهوية وتوقيع نماذج جاهزة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير حين صاغتها كنظام متكامل لإدارة المخاطر. هذا المفهوم الجديد يعني أن البنك لم يعد طرفاً محايداً يستقبل المعاملات، بل تحول إلى جهة فاعلة في تقييم المخاطر المحتملة قبل الدخول في أي علاقة تعاقدية مع الزبون، وأثناء استمرار هذه العلاقة، وحتى عند تنفيذ أي عملية مصرفية عرضية لا ترتبط بحساب دائم. إنها مقاربة استباقية تضع البنك في موقع الحارس الأول للنظام المالي الوطني، وتلزمه بأن يكون على دراية كاملة بطبيعة نشاط زبونه ومصدر أمواله ووجهة استخدامها.

النطاق الواسع للتطبيق: لا استثناءات ولا تفرقة

لم تترك التعليمة مجالاً للالتباس في تحديد الجهات المعنية بها، إذ شملت جميع البنوك والمؤسسات المالية العاملة في الجزائر، بالإضافة إلى الخدمات المالية لبريد الجزائر، الذي يعد شريكاً أساسياً في الشمول المالي. لكن الأهم من ذلك هو اتساع نطاق الأشخاص الخاضعين لإجراءات التحقيق، فالموضوع لا يقتصر على الزبون المباشر للبنك فحسب، بل يمتد ليشمل وكيله أو ممثله القانوني، وكل من يدعي أنه يتصرف باسمه أو لحسابه، إضافة إلى المستفيدين الحقيقيين، وهم الأشخاص الطبيعيون الذين يسيطرون في نهاية المطاف على الشخص المعنوي أو يمتلكونه. هذا التوسع في نطاق التطبيق يهدف إلى سد الثغرات التي كانت تستغل سابقاً لإخفاء الهويات الحقيقية خلف هياكل قانونية معقدة، ويجعل من الصعب على أي جهة كانت تجاوز شبكة الرقابة المصرفية.

إجراءات التحقق من الهوية: التوقيت والحدة

وفقاً للنص التنظيمي، فإن إجراءات تحديد الهوية والتحقق منها ليست حدثاً لمرة واحدة، بل هي التزام مستمر يبدأ قبل الدخول في أي علاقة أعمال، ويستمر طوال مدة هذه العلاقة، ولا يتوقف حتى عند إجراء العمليات العرضية. يتعين على المؤسسة المالية أن تثبت هوية الزبون وعنوانه الحقيقي، وأن تتعرف على ممثله القانوني والمستفيدين الحقيقيين، وأن تحدد ملف الزبون والغرض المتوقع من العلاقة والطبيعة المفترضة للتعاملات. هذا التحديد الدقيق يسمح في مرحلة تالية ببناء تصنيف للمخاطر يكون مرناً وقابلاً للتطور وفقاً لما تظهره الممارسة الفعلية من معطيات. فالمؤسسة المالية مطالبة بأن تجمع الوثائق الضرورية وتتحقق من اكتمالها وانسجامها الداخلي، قبل أن تدخلها في أنظمتها المعلوماتية، مروراً بمصادقة إضافية من جهة مخولة داخل البنك، وصولاً إلى رقابة هرمية ورقابة مستقلة تضمن سلامة المعلومات ودقتها.

المرونة في ظل الصرامة: النهج القائم على المخاطر

ربما يكون العنصر الأكثر ذكاءً في هذه التعليمة هو تبنيها لما يعرف بالنهج القائم على المخاطر، وهو مفهوم يمنح المؤسسة المالية هامشاً من المرونة في تطبيق الإجراءات بما يتناسب مع درجة الخطورة المقدرة لكل زبون. فليس كل الزبائن سواء، ولا تفرض عليهم جميعاً نفس المستوى من الرقابة أو التكرار في تحديث المعلومات. فهناك زبائن منخفضو المخاطر قد يكون التعامل معهم تقليدياً ومعهوداً، وهناك آخرون متوسطو المخاطر، وفئة ثالثة عالية المخاطر تستوجب تدقيقاً مضاعفاً. وهذه المرونة لا تعني بأي حال من الأحوال التهاون، بل هي تطبيق عملي لمبدأ التناسب، حيث تركز الجهود الرقابية حيث تكون الحاجة إليها أكبر، مما يحقق التوازن بين فعالية مكافحة الجرائم المالية من جهة، وعدم إثقال كاهل النظام المصرفي بإجراءات غير متناسبة مع المخاطر الفعلية من جهة أخرى. وقد حددت التعليمة جداول زمنية دورية لمراجعة بيانات الزبائن تتراوح بين سنة واحدة للفئات عالية المخاطر، وثلاث سنوات للمتوسطة، وخمس سنوات للمنخفضة، مما يخلق ديناميكية تجديد مستمرة للمعلومات.

حالات الرفض: خطوط حمراء لا تقبل التجاوز

وضعت التعليمة ما يمكن اعتباره خطوطاً حمراء واضحة، إذ ألزمت البنوك برفض الدخول في أي علاقة عمل في حالات محددة، منها تعذر تحديد هوية الزبون أو التحقق منها بشكل قاطع، أو رفض الزبون تقديم الوثائق المطلوبة دون مبرر مقنع، أو ظهور تناقضات جوهرية غير قابلة للتفسير في المعلومات المقدمة. كما أن إدراج الزبون أو أي شخص مرتبط به في قوائم العقوبات الوطنية أو الدولية الصادرة عن مجلس الأمن أو الجهات المختصة، يشكل مانعاً قاطعاً للدخول في العلاقة المصرفية. هذه الحالات ليست مجرد توصيات بل هي التزامات قانونية، وعلى البنك أن يوثق حالات الرفض هذه وأن يبلغ عنها إلى خلية معالجة الاستعلام المالي عند الاقتضاء، وهو ما يحول المؤسسة المالية إلى شريك فعال في منظومة العدالة المالية.

تدقيق مشدد للفئات الخاصة: الأشخاص المكشوفون سياسياً

في سياق تشديد الرقابة، أولت التعليمة اهتماماً خاصاً بفئة الأشخاص المكشوفين سياسياً، وهم أولئك الذين يشغلون أو شغلوا مناصب عامة حساسة، إلى جانب أفراد أسرهم والمقربين منهم، وذلك نظراً لما قد يشكلونه من مخاطر أعلى للفساد أو استغلال النفوذ. فالدخول في علاقة مصرفية مع أي من هؤلاء يتطلب موافقة مسبقة من الإدارة العامة للبنك، مع تدقيق خاص في مصدر الأموال ومنشأ الثروة، ومراقبة مستمرة ومشددة للعمليات التي يجريونها. كما أن فتح أي حساب لأي زبون صنف ضمن الفئات عالية المخاطر يتطلب مصادقة إضافية من الإدارة العليا قبل الإقدام على أي إجراء تنفيذي، مما يضمن أن القرارات المتعلقة بهذه الفئات تتخذ على أعلى المستويات الإدارية وبعد دراسة متأنية.

الرقابة المستمرة: عين لا تغفل عن الحركة المصرفية

لا تتوقف مهمة البنك عند لحظة فتح الحساب أو قبول الزبون، بل تمتد إلى رقابة مستمرة طوال فترة العلاقة المصرفية. هذه الرقابة تهدف إلى كشف أي عمليات غير نمطية أو مشبوهة قد تنشأ في أي وقت، وتحديث معلومات الزبائن بشكل دوري لضمان بقائها مطابقة للواقع. وقد أوضحت التعليمة أن كل عملية لا تتسق مع الملف المعرفي للزبون، أو تخرج عن النمط المعتاد لتعاملاته، يجب أن تخضع للتدقيق الفوري، وعند الاقتضاء، تتحول إلى تصريح بالشبهة يرفع إلى خلية معالجة الاستعلام المالي. هذه اليقظة المستمرة تحول البنوك من مجرد وسيط مالي إلى رقيب فعال في منظومة مكافحة الجريمة المالية.

الأهداف الاقتصادية والاجتماعية: ما وراء البعد الأمني

رغم أن الإطار القانوني يركز على الجوانب الأمنية والرقابية، إلا أن التعليمة تحمل في طياتها أهدافاً اقتصادية واجتماعية أوسع، وهو ما أشار إليه المسؤولون في اليوم الدراسي الذي نظمه بنك الجزائر بحضور وزراء المالية والتجارة والبريد. فهذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الشفافية المالية التي تعتبر شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحسين ترتيب الجزائر في المؤشرات الدولية. كما أنها تسهم في توسيع القاعدة البنكية من خلال جذب المتعاملين في الاقتصاد غير الرسمي إلى الدائرة الرسمية، مما يزيد من حجم الأموال المتداولة عبر القنوات المصرفية الرقابية ويرفع من قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات الجبائية. وقد ربط وزير التجارة الداخلية هذه الإجراءات بشكل مباشر بعملية التسوية الجبائية التي نص عليها قانون المالية لسنة 2026، حيث تتيح المعلومات الدقيقة عن الزبائن تسهيل ولوجهم إلى الخدمات البنكية وتصريحهم بأموالهم، مما يعزز اندماجهم في الاقتصاد الرسمي ويخرجهم من دائرة التهميش المالي.

خلاصة القول . تمثل تعليمة “اعرف عميلك” التي أصدرها بنك الجزائر أكثر من مجرد نص تنظيمي، فهي خريطة طريق لتحول جوهري في الثقافة المصرفية الجزائرية، من ثقافة الاعتماد على الثقة الشخصية والمعرفة المباشرة إلى ثقافة تعتمد على التوثيق والتدقيق والرقابة المؤسسية المستمرة. ورغم الصرامة التي تبدو عليها بعض الإجراءات، فإنها في جوهرها تصب في مصلحة استقرار النظام المالي الوطني، وتحمي سمعة الجزائر المالية في المحافل الدولية، وتوفر بيئة آمنة للتعاملات المصرفية لكل من المواطن العادي والمتعامل الاقتصادي الكبير، شريطة الالتزام بالشفافية وتقديم المعلومات المطلوبة. إن نجاح هذا المشروع يتوقف على وعي جميع الأطراف بأهميته، وتعاون الزبائن مع البنوك، واستمرار جهود التكوين والتوعية التي أطلقتها السلطات المالية في هذا الاتجاه.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً