اعتبر أستاذ الإعلام والاتصال، الدكتور حكيم بوغرارة، خلال استضافته في الغذاعة الجزائرية أأن زيارة سانشيز تأتي في سياق تحقيق الجزائر لاختراقات استراتيجية متتالية مع الشركاء الأوروبيين، بدءاً بإيطاليا وألمانيا وصولاً إلى إسبانيا اليوم، مشيراً إلى أن هذه المحطة الجديدة تعكس ثقل الجزائر المتصاعد في ضمان أمن الطاقة الإقليمي والأوروبي. وأكد أن إسبانيا لم تعد تنظر إلى الجزائر كـ”بلد مجاور فقط، بل شريك استراتيجي”، وفق تعبير سانشيز نفسه خلال المؤتمر الصحفي المشترك.
وركز الدكتور بوغرارة على الدور المحوري للجزائر كمورد موثوق للغاز الطبيعي، مشيراً إلى أن الجزائر أصبحت منذ مطلع العام 2026 المورد الأول للغاز إلى إسبانيا، عبر خط أنابيب “ميدغاز” الذي يضمن نحو 34% من احتياجات السوق الإسبانية. وأضاف أن الجزائر تسعى، إلى جانب ذلك، إلى توسيع حضورها في سوق الطاقة الإسبانية، عبر زيادة حجم الصادرات بنسبة تتراوح بين 10 و15% بدءاً من عام 2027، مع إمكانية رفع تدفقات الغاز عبر ميدغاز من 28 إلى 32 مليون متر مكعب يومياً.
لم يغفل المحلل الإعلامي التطرق إلى أهمية الانتقال نحو الطاقات النظيفة، حيث شدد الرئيس تبون، خلال المحادثات، على تطلع الجزائر لتوسيع آفاق التعاون مع إسبانيا في قطاع الطاقات المتجددة، مستنداً إلى الإمكانات الهائلة التي تؤهلها لتكون فاعلاً رئيسياً في مسار الانتقال الطاقوي على مستوى الفضاء الأورومتوسطي. وأشار بوغرارة إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الاستراتيجية الأوروبية العامة لتصحيح اختلالات قطاع الطاقة وتعزيز الاعتماد على المصادر النظيفة.
في قراءة معمقة لتصريحات سانشيز، رأى الدكتور بوغرارة أن وصفه للجزائر بـ”الشريك الاستراتيجي” يحمل اعترافاً ضمنياً بالأخطاء السياسية السابقة التي ارتكبتها مدريد بخصوص ملف الصحراء الغربية، خاصة بعد دعمها لخطة الحكم الذاتي المغربية في 2022، وهو الموقف الذي تسبب في أزمة دبلوماسية حادة أدت إلى تجميد معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين البلدين. وأكد أن العودة إلى الارتكاز على الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة باتت تشكل الأساس الذي يبنى عليه الحوار السياسي بين الجانبين.
تناول المحلل أيضاً توافق الرؤى بين الجزائر وإسبانيا بشأن ضرورة اعتماد مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية في منطقة الساحل الإفريقي وليبيا، مشيراً إلى أن المباحثات بين تبون وسانشيز أكدت أهمية تجاوز المقاربات العسكرية السابقة التي أثبتت فشلها، والدعوة إلى دعم الجهود الأممية ومتعددة الأطراف لتغليب الحلول السلمية وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
أشار الدكتور بوغرارة إلى الارتفاع الملحوظ في حجم المبادلات التجارية بين البلدين، حيث صدّرت إسبانيا سلعاً إلى الجزائر بقيمة 2.133 مليار يورو في عام 2025، بزيادة نسبتها 270% مقارنة بعام 2024. وأضاف أن الطرفين يطمحان إلى تعزيز تواجد الشركات الإسبانية في السوق الجزائرية، خاصة في قطاعات الأشغال العامة وإمدادات المياه والغذاء والسكك الحديدية والهندسة والدفاع.
ذكر المحلل أن الجانبين أعلنا عن التحضير المبكر لعقد الدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى بين حكومتي البلدين خلال الخريف المقبل (أكتوبر 2026)، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تستوجب تجاوز قطاع المحروقات ليشمل مجالات حيوية أخرى مثل النقل والذكاء الاصطناعي والفلاحة ونقل التكنولوجيا، في إطار شراكة شاملة تعكس العمق الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين الجارين.
وفي ختام تحليله، أشاد الدكتور بوغرارة بإشادة الطرف الإسباني بالدور الجيوسياسي للجزائر ومكانتها الأساسية كبوابة نحو القارة الإفريقية وصمام أمان للاستقرار الإقليمي، معتبراً أن هذه الرؤية تعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً لأهمية الجزائر كفاعل إقليمي لا غنى عنه في معادلات الأمن والطاقة والتنمية في المنطقة.

