شهدت أسعار السكر العالمية اليوم الثلاثاء ارتفاعاً حاداً بنسبة 4%، لتسجل العقود الآجلة للسكر الخام في بورصة نيويورك 17.56 سنتاً للرطل الواحد، وهو أعلى مستوى لها منذ 22 ماي 2025. ويأتي هذا الصعود ضمن موجة ارتفاع متواصلة منذ بداية الشهر الجاري، حيث ارتفعت الأسعار بنحو 19% منذ مطلع أوت 2026، وسط مخاوف متزايدة من تأثير الظروف المناخية القاسية على الإنتاج العالمي للمحصول.
وتشكل ظاهرة “إل نينيو” المناخية التهديد الأكبر للموسم المقبل، حيث تشير التقديرات إلى أنها قد تكون الأقوى منذ عام 1950، مع توقعات بحدوثها بنسبة 81% خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر، تتجاوز 90% في أشهر الخريف والشتاء لاحقاً. ويمثل هذا التطور خطراً مزدوجاً على المناطق المنتجة الرئيسية، ففي البرازيل، أكبر منتج ومصدر للسكر في العالم، تتسبب الأمطار الغزيرة في تعطيل عمليات الحصاد وتؤثر سلباً على جودة المحصول، بينما تتعرض الهند وتايلاند لموجات جفاف تقلص موسم الأمطار وتضر بنمو قصب السكر، مما يهدد الإنتاج في أكبر منطقتين منتجتين في آسيا.
وتشير تقديرات المحللين إلى تحول السوق العالمية نحو العجز بشكل أوضح مما كان متوقعاً، حيث تتوقع شركة “كوفريج أناليتكس” عجزاً يبلغ 300 ألف طن في موسم 2026/2027، بينما تذهب تقديرات شركة “غرين بول” إلى عجز أكبر يصل إلى 3.3 مليون طن. ويتزامن ذلك مع تأكيد وزارة الزراعة الأمريكية توقعاتها بتراجع الإنتاج في كل من الهند وتايلاند، ما يعمق المخاوف من عدم قدرة الإنتاج على تلبية الطلب العالمي المتنامي، خاصة مع اقتراب مواسم الأعياد في العديد من الدول التي تشهد تقليدياً ارتفاعاً في استهلاك الحلويات والمشروبات المحلاة.
وتواجه الهند، ثاني أكبر منتج للسكر في العالم، أزمة داخلية تتفاقم يوماً بعد يوم، إذ هطلت الأمطار الموسمية بنسبة أقل من المعدل الطبيعي بـ13%، مع عجز تجاوز 40% في يونيو الماضي، ما دفع أسعار السكر المحلية في ولاية ماهاراشترا إلى مستوى قياسي بلغ 46 روبية (نحو 48 سنتاً) للكيلوغرام الواحد. وفي خطوة غير مسبوقة، فرضت نيودلهي حظراً على صادرات السكر حتى نهاية سبتمبر المقبل، كما تدرس حالياً تخفيض أو إلغاء رسوم الاستيراد البالغة 100% لتعزيز المعروض المحلي، وهي خطوة نادراً ما تلجأ إليها، إذ كانت آخر مرة في موسم 2017-2018، مما يعكس حجم القلق داخل أكبر بلد مستهلك للسكر في العالم.
ولا تقتصر تداعيات هذا الارتفاع على تجار السلع الأولية، بل تمتد إلى المستهلكين في جميع أنحاء العالم، حيث أظهر مؤشر أسعار الغذاء الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة ارتفاعاً إلى 131.1 نقطة في يوليو الماضي، وهو أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع أسعار السكر إلى جانب الحبوب والزيوت النباتية. ويتوقع المراقبون أن يستمر الطلب الموسمي في الارتفاع خلال الفترة من أواخر أغسطس إلى يناير مع زيادة استهلاك الحلويات والمشروبات في مواسم الأعياد في الهند ودول آسيوية أخرى، مما يضيف مزيداً من الضغط على الأسعار في الأشهر المقبلة. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستتمكن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها الدول الكبرى من احتواء موجة الارتفاع، أم أن تفاقم تأثير “إل نينيو” سيدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة لم تشهدها الأسواق منذ سنوات طويلة؟

