كيف جعلت مدينة صينية “السلع الصغيرة” نموذجاً اقتصادياً فريداً ؟

في شرق مقاطعة تشجيانغ الصينية، وتحديداً في مدينة ييوو التي لا تطل على البحر ولا تُعدّ عاصمة إقليمية، تمكنت السلطات المحلية والمجتمع التجاري من بناء نظام اقتصادي فريد جعل من ما يُسمى “السلع الصغيرة” قوة تصديرية تغزو 233 دولة ومنطقة حول العالم. فقد تحوّلت هذه المدينة، التي تُعرف بـ”السوبر ماركت العالمي”، من سوق محلي بسيط إلى مركز تجاري عالمي يصدّر 2.1 مليون نوع من السلع الصغيرة، محققاً في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 صادرات بلغت 5488.5 مليار يوان صيني، أي ما يعادل نمواً بنسبة 12.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً حاجز 5000 مليار يوان قبل شهر من موعده المعتاد.

و تقع مدينة ييوو في شرق مقاطعة تشجيانغ الصينية، وهي ليست مدينة ساحلية ولا عاصمة إقليمية، ومع ذلك تمكنت من تصدير 2.1 مليون نوع من السلع الصغيرة إلى 233 دولة ومنطقة حول العالم. وتُعرف ييوو بـ”السوبر ماركت العالمي”، لكن جوهر تجارتها بالسلع الصغيرة يشهد تحولاً عميقاً وهادئاً.

خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بلغت صادرات ييوو 5488.5 مليار يوان صيني، بزيادة قدرها 12.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزة حاجز 5000 مليار يوان قبل شهر من موعدها المعتاد. وبالتحويل وفق متوسط سعر الصرف في النصف الأول من عام 2026، بلغت الصادرات في الأشهر الستة الأولى وحدها 420.72 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 71.64 مليار دولار، بنمو 17.3% على أساس سنوي. وتخفي هذه الأرقام تحولاً في طبيعة السلع الصغيرة في ييوو، من نموذج “الربح الهامشي المنخفض” إلى نموذج “الكفاءة المنهجية”.

يكمن جوهر هذا التحول في نظام تجاري يُعرف باسم “الشراء من السوق”. ففي السابق، كانت طلبات السلع الصغيرة صغيرة الحجم ومتنوعة، وإذا لم يكن بوسع نوع واحد من البضائع أن يملأ حاوية كاملة، فإن تصديرها بالطرق التجارية التقليدية يصبح مستحيلاً، مما جعل طريق آلاف التجار الصغار إلى الأسواق الخارجية محفوفاً بالعقبات.

وفي عام 2014، صدرت أول وثيقة جمركية بنظام “الشراء من السوق” على مستوى الصين في ييوو، مما أفسح الطريق أمام “مسار سريع” مخصص للسلع الصغيرة. ويتيح هذا النموذج لعدة تجار تجميع بضائعهم وتصديرها عبر “الحاويات المشتركة”، إذ يتم التخليص الجمركي على أساس الحاوية الكاملة، وتُوزع تكاليف الرسوم الجمركية على كل قطعة، مما يخفض بشكل كبير حواجز التجارة ذات الأحجام الصغيرة. وبحلول عام 2025، بلغت صادرات ييوو وحدها عبر هذا النموذج 5991.8 مليار يوان، أي أكثر من 80% من إجمالي صادرات المدينة.

وفي إطار هذا النظام، يبرز دور محوري هو “جامع البضائع”. فهو يجمع السلع من تجار مختلفين، ويتولى توحيد عمليات التغليف والحجز والتخليص الجمركي، محولاً “الطلبات الصغيرة” المتناثرة إلى “حاويات كبيرة” قادرة على الإبحار. وفي عام 2025، شكلت البضائع الإلكترونية المُجمّعة بهذه الطريقة أكثر من 20% من إجمالي صادرات ييوو. وهذا يعني أن تاجراً لا يملك سوى بضعة أمتار مكعبة من البضائع لا يحتاج إلى تحمل تكاليف حاوية كاملة بمفرده، ولا إلى إهدار طاقته في إجراءات التخليص المعقدة، بل يكفي أن يركز على الإنتاج، بينما يتولى النظام حل التعقيدات اللوجستية.

ويتجلى هذا النظام أيضاً في تكثيف البنية التحتية اللوجستية. فقد أتاح تشغيل ميناء ييوو (سوكسي) الدولي ربطاً سلساً بين الميناء الداخلي وميناء نينغبو-تشوشان عبر النقل البحري-السككي، إذ يمكن للبضائع إتمام إجراءات التخليص الجمركي محلياً ثم نقلها مباشرة إلى الميناء للشحن. كما أطلقت الجمارك نموذجاً جديداً “للتفتيش المتوازي مع التغليف في المستودعات الخاضعة للرقابة”، مما رفع كفاءة التصدير بنسبة 30%.

غير أن التغيير الحقيقي يحدث في طريقة تفكير التجار. فلم يعد جيل ييوو الجديد من التجار ينتظر العملاء، بل يخرج بنفسه بحثاً عن الطلبات. وفي مطلع عام 2026، شاركت عشر شركات من ييوو في معرض بولونيا الإيطالي وحصلت على طلبات تجاوزت 20 مليون يوان. وفي سبتمبر من العام نفسه، شاركت أكثر من عشرين شركة في معرض بتايلاند، حيث نفدت معروضات بعض الأجنحة بالكامل، وحصلت الشركات على طلبات من ستة مصنّعين.

واكتشفت إحدى التاجرات من “الجيل الثالث” أن منتجات عائلتها ذات الطابع اللاتيني لا تتوافق مع الذوق الآسيوي المتأثر بالطراز الياباني والكوري، فعادت إلى البلاد وشرعت فوراً في تعديل التصاميم والألوان والتغليف. وهذا التحول من “أبيع ما لديّ” إلى “أصنع ما يريده العميل” هو خطوة أساسية لتخلي ييوو عن صفة “التصنيع منخفض الجودة”.

وقد شكلت العواصف الجمركية اختباراً قاسياً لهذه السلسلة. ففي عام 2025، ارتفعت الرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية إلى 145%، وواجهت صادرات ييوو إلى أمريكا من الألعاب والأثاث وغيرها من السلع الخاضعة للتجارة التقليدية صعوبة في استقبال الطلبات. كما تأثر نموذج الشحن المباشر للطرود الصغيرة العابرة للحدود، إذ ارتفعت الرسوم الجمركية على كل طرد إلى 54%، وزاد وقت التخليص الجمركي من 10 إلى 15 يوماً. لكن نموذج “الشراء من السوق” أظهر مرونة، إذ يمكن للتجار امتصاص جزء من التكاليف عبر تعديل قيمة البيان الجمركي وتوزيع الرسوم، فكانت الصدمة محدودة نسبياً.

والأهم من ذلك أن تجار ييوو سارعوا إلى تحويل أنظارهم نحو أسواق جديدة. ففي النصف الأول من عام 2026، تعاملت ييوو مع 230 دولة ومنطقة، بزيادة أربع دول عن الفترة نفسها من العام الماضي. وبرزت صادرات السلع الرياضية، إذ بلغت في النصف الأول وحده 62.2 مليار يوان، منها 12.5 مليار يوان إلى أمريكا اللاتينية، بنمو 20.4%، مستفيدة من الأحداث الرياضية العالمية ككأس العالم لفتح مساحات نمو جديدة.

وفي سوق ييوو الدولي، يتدفق يومياً أكثر من 210 آلاف زائر، منهم نحو 5000 من الخارج. ويذكّر هذا الرقم بأن “السلع الصغيرة” في ييوو لم تكن يوماً مجرد بضائع. إنها نظام يربط بدقة بين القدرات الإنتاجية المتناثرة لـ2.1 مليون شركة صغيرة ومتوسطة والطلب العالمي المجزأ، وغريزة بقاء تعدل مسارها في العواصف، وشبكة تجارية عالمية نسجها عدد لا يحصى من الأفراد الصغار.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً