تُشكل الصحراء الجزائرية، التي تمتد على نحو 85% من مساحة البلاد، واحدة من أغنى الوجهات السياحية غير المستغلة في العالم. وبينما يظل القطاع السياحي عموماً دون طموحات الدولة، باتت السياحة الصحراوية محوراً استراتيجياً لتنويع الاقتصاد خارج قطاع المحروقات. فما هي أبرز المقومات التي تجعل من هذه المنطقة كنزاً سياحياً واعداً؟
تتميز الصحراء الجزائرية بتنوع طبيعي استثنائي قلّ نظيره. فهي تضم جبال الهقار البركانية مع قمة أسيكريم الشهيرة، وهضبة تاسيلي ناجر ذات التكوينات الصخرية الشبيهة بالمشهد القمري، والسهول الحصوية الممتدة، وبحار الرمال الشاسعة المعروفة بـ”العرق”، إضافة إلى واحات خضراء تتناثر في قلب الجفاف.
هذا التنوع الجيومورفولوجي جعل من عدة مواقع صحراوية جزائرية محطات معترفاً بها دولياً. تاسيلي ناجر مصنف ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو منذ 1982، ويحتضن أكثر من 15 ألف نقش ورسم صخري تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، توثق تحولات المناخ وانتقالات الكائنات الحية. كما تشتهر وادي مزاب بمدنه الخمس المحصنة (القصور) التي بناها الإباضيون في القرن العاشر، وتُعد نموذجاً معمارياً فريداً للتكيف مع البيئة الصحراوية.
لا تقتصر مقومات الصحراء على المناظر الطبيعية، بل تمتد إلى إرث حضاري عميق. تضم المنطقة آلاف النقوش والرسومات الصخرية التي تحكي تاريخ البشرية في هذه البقعة، إلى جانب المقابر والآثار الرومانية في بسكرة والقنطرة، والمزار الديني للصحابي عقبة بن نافع الذي يُعتبر رابع موقع إسلامي يقصده الزوار في العالم.
كما تحتفظ الصحراء بأنماط حياة أصيلة لسكانها ، مما يمنح السياح فرصة للاحتكاك بثقافات صحراوية حية. وتُعد تيميمون، الملقبة بـ”الواحة الحمراء”، نموذجاً بارزاً على هذا المزيج، حيث استقطبت 4,515 سائحاً أجنبياً خلال عامي 2024 و2025، بفضل مهرجاناتها الثقافية مثل مهرجان أهليل المصنف ضمن التراث اللامادي لليونسكو.
تشهد السياحة الصحراوية في الجزائر تحسناً ملحوظاً في مؤشراتها. وفقاً لوزيرة السياحة حورية مداحي، استقبلت ولايات الجنوب خلال موسم 2025-2026 (من أكتوبر إلى أبريل) نحو 470 ألف زائر، من بينهم 47 ألف سائح أجنبي. أما إحصاءات سنة 2025 كاملة، فقد بلغ عدد زوار الجنوب حوالي 750 ألف سائح، بينهم 65 ألف أجنبي.
يعود هذا التحسن جزئياً إلى نظام التأشيرة عند الوصول الذي اعتمدته الجزائر منذ 2023، والذي سهّل دخول السياح الأجانب، إلى جانب حملات الترويج والمشاركة في المعارض الدولية.
تبنت الجزائر استراتيجية لتنمية السياحة الصحراوية ترتكز على تعزيز الإقامة وتحسين الخدمات، وتنويع الأنشطة، وحماية التراث البيولوجي، وتشجيع التكوين والتوظيف في أوساط سكان الجنوب. ويضم القطاع الفندقي في ولايات الجنوب حالياً 258 مؤسسة بطاقة استيعاب تبلغ 20 ألف سرير، مع توقع استلام 21 مشروعاً جديداً في 2026، و27 مشروعاً آخر قيد الإنجاز بنسب تقدم تفوق 80%.



