فرنسا تشتعل…موجة احتجاجات طلابية غير مسبوقة تهز أركان الحكومة

في مشهد لم تشهده فرنسا منذ عقود، خرجت اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 مئات الآلاف من الطلاب في احتجاجات واسعة النطاق، في ما يُعرف بـ”الفصل الثالث” من حركة احتجاجات طلاب المدارس الثانوية. وقد اتخذت هذه الموجة بعداً جديداً وخطيراً، مع انضمام النقابات العمالية وأحزاب اليسار والجامعات لأول مرة إلى جانب الطلاب، مما حوّل الحركة من احتجاج طلابي محدود إلى حركة اجتماعية شاملة تهدد الاستقرار السياسي قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية.

تأتي هذه الاحتجاجات في ظل توتر شديد بعد حادثتين مؤلمتين هزّتا الرأي العام، الأولى في لانس يوم 5 أكتوبر حيث فقد طالب يبلغ من العمر 15 عاماً يده وجزءاً من ساعده بعد إصابته بقنبلة من قوات الأمن أثناء مواجهات قرب مدرسته، والثانية في تور حيث فقد طالب يبلغ 16 عاماً البصر في إحدى عينيه الأسبوع الماضي. وقاد هذا الوضع منظمة العفو الدولية إلى المطالبة بضمان حق التجمع السلمي وانتقاد الاستخدام المفرط للقوة والإغلاق الإداري لأكثر من 400 مدرسة وإصدار قرارات بحظر التظاهر، في حين تصف النقابات الطلابية الوضع بأنه قمع غير مسبوق في تاريخ الحركات الطلابية الفرنسية.

و تكشف الأرقام الرسمية والنقابية عن حجم الحركة غير المسبوق؛ إذ تعطلت الدراسة في 891 مدرسة ثانوية وفق وزارة الداخلية، بينما تؤكد النقابات الطلابية أن العدد يصل إلى 1,800 مدرسة، أي ما يقارب ربع المؤسسات التعليمية في البلاد.

وبلغ عدد المشاركين في المناطق خارج باريس نحو 86,000 متظاهر حتى الظهر، مع توقع مشاركة 40,000 في مسيرة باريس وحدها. وعلى صعيد الجامعات، أصبحت 90% من الجامعات الفرنسية متعبأة مع حظر 57 موقعاً جامعياً. كما تسببت المواجهات في إصابة 215 طالباً و85 من العاملين في التعليم و715 من قوات الأمن، فضلاً عن اعتقال أكثر من 5,000 شخص منذ منتصف سبتمبر، يشكل القاصرون 87% منهم.

و يطالب الطلاب بجملة من المطالب التي تعكس أزمة بنيوية في النظام التعليمي الفرنسي، وعلى رأسها زيادة الموارد التعليمية ورفع الميزانية المخصصة للتعليم، وتقليص عدد الطلاب في الفصول لتحسين جودة التعليم. كما يشددون على ضرورة إصلاح مباني المدارس المتهالكة التي تعاني من الإهمال المزمن، وتوفير البدائل لتعويض المعلمين الغائبين لضمان استمرارية الدراسة، بالإضافة إلى إصلاح منصة “Parcoursup” التي يصفونها بأنها غير شفافة وغير عادلة وتكرّس التفاوت الاجتماعي في الالتحاق بالجامعات.

التطور الأكثر دلالة اليوم هو انضمام النقابات العمالية مثل (CGT، FSU، CFDT، Sud، Solidaires) لأول مرة منذ بدء الحركة، حيث أعلنت أنها ستكون موجودة في المسيرات لحماية الطلاب من العنف بعد القمع غير المسبوق الذي مارسته الحكومة. كما انضمت أحزاب اليسار كـ (LFI، PS، PCF) ورابطة البيئة التي دعت للتظاهر بالملابس البيضاء لحماية الطلاب. هذا التحول يعني أن الحركة لم تعد مقتصرة على الطلاب، بل أصبحت حركة اجتماعية واسعة تطالب بتغيير جذري في السياسات التعليمية والاجتماعية، مما يمنحها قوة ضغط أكبر على الحكومة.

تأتي هذه الحركة قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، مما يمنحها بعداً سياسياً بالغ الأهمية. يواجه رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو واحدة من أكثر الأزمات حساسية منذ توليه منصبه قبل عام، بينما تصف الحكومة الاحتجاجات بأنها أعمال عنف حضرية وتعتبرها أعمال شغب في محاولة لتفكيك الحركة وتقويض شرعيتها. لكن المعادلة تبدو معقدة، فكلما زادت القوة المستخدمة زادت معها موجة التعاطف الشعبي مع الطلاب وتوسعت دائرة المؤيدين للحركة، وإذا استمر هذا التصعيد فقد يتحول إلى أزمة سياسية شاملة تهدد فرص الحكومة في الانتخابات المقبلة.

 

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً