لطالما شكلت فاتورة الاستيراد في الجزائر عائقاً كبيراً للاقتصاد الوطني، ليس فقط لأنها استنزفت احتياطيات البلاد من العملة الصعبة، بل لأنها كشفت بشكل أعمق عن الاختلال الهيكلي المتمثل في غياب قاعدة إنتاجية محلية قادرة على تلبية الطلب الداخلي.
فبعد أن قفزت فاتورة الاستيراد من 13.32 مليار دولار عام 2003 إلى نحو 60 مليار دولار عام 2014، وجدت الجزائر نفسها في مواجهة انهيار أسعار النفط واضطراراً إلى تبني سياسات تقييدية صارمة للحد من نزيف العملة الصعبة .
وقد كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه مع المتعاملين الاقتصاديين أن فاتورة استيراد الجزائر انخفضت من مستوى سابق يبلغ حوالي 62 مليار دولار إلى ما بين 40 و42 مليار دولار.
وقال تبون خلال الاجتماع الوطني للمتعاملين الاقتصاديين الذي عقد في 13 أكتوبر تشرين الأول 2026، إن خفض الواردات لا يستهدف “تقليص استهلاك الشعب”، بل يرمي إلى القضاء على الاستيراد غير المنضبط وغير الضروري الذي كان سائداً قبل عام 2019، مع ضمان توفير الاحتياجات الحقيقية للبلاد.
وتأتي هذه الأرقام بعد سنوات من الضغوط التي فرضها تذبذب أسعار النفط على المالية العامة للجزائر، العضو في منظمة أوبك. فبعد أن ارتفعت الواردات من 13.32 مليار دولار عام 2003 إلى نحو 60 مليار دولار عام 2014، وجدت البلاد نفسها مضطرة إلى تبني سياسات تقييدية للحد من نزيف احتياطيات العملة الصعبة.
وقال تبون إن السلطات اتخذت تدابير صارمة قلصت الفاتورة الناجمة عن ممارسات سلبية سابقة، لا سيما تضخيم الفواتير وجلب سلع تتوفر بدائلها محلياً. وتهدف هذه الإجراءات أيضاً إلى حماية وتوجيه رصيد العملة الصعبة نحو تمويل الاستثمارات المنتجة والمدخلات الأساسية للاقتصاد الوطني حصراً.
ويرجع الانخفاض الكبير في فاتورة الواردات بشكل رئيسي إلى استبدال الإنتاج المحلي في عدة قطاعات رئيسية.
ففي قطاع الطاقة، توقفت الجزائر تماماً عن استيراد البنزين ووقود الطائرات، ومن المتوقع أن تتوقف كلياً عن استيراد الديزل بعد تشغيل مصفاة حاسي مسعود الجديدة في عام 2027.
وفي القطاع الصحي، ارتفعت نسبة تغطية الإنتاج المحلي من الاحتياجات الدوائية إلى 84%، بما في ذلك أدوية السرطان والسكري وغيرها من الأدوية المعقدة، مقابل 9% إلى 10% فقط في السابق.
أما على صعيد الصناعة والزراعة، فارتفعت نسبة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 3% إلى 10%، بينما تبلغ مساهمة القطاع الزراعي نحو 15%. وتستهدف الحكومة تحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب بحلول نهاية عام 2027.
غير أن سياسات تقييد الواردات أثارت في السابق انتقادات من خبراء اقتصاديون حذروا من أنها قد تتسبب في نقص دوري في المواد الأولية وقطع الغيار وبعض السلع الاستهلاكية، مما يغذي المضاربة ويرفع الأسعار في السوق المحلية. كما أشار تبون نفسه إلى وجود “اضطرابات” في مجال الواردات، وأمر بإنشاء لجنة خاصة لمراجعة طلبات الاستيراد لتجنب تقييد الواردات المشروعة المطلوبة للإنتاج الصناعي المحلي.
وتسعى الجزائر من خلال هذا التحول إلى الانتقال من اقتصاد مُدار إلى اقتصاد سوق مع الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة، وتراهن على عام 2027 محطة مفصلية لرفع الصادرات غير النفطية إلى 20-30 مليار دولار.



