من بريطانيا إلى اليابان… موجة عالمية غير مسبوقة لتخزين “احتياجات الطوارئ”

أصدرت عشرات الدول حول العالم إرشادات رسمية لمواطنيها بتخزين المواد الأساسية للطوارئ، من الغذاء والماء إلى الأدوية والنقود. وبحسب إحصاءات إعلامية، فإن ما لا يقل عن 33 دولة لديها الآن توصيات حكومية مماثلة، تتراوح مدة التخزين الموصى بها بين 3 أيام و10 أيام، في مؤشر على انتقال مفهوم “الاستعداد المدني” من هامش السياسات إلى صلبها.

و تقود الدول الأوروبية هذه الموجة. ففي المملكة المتحدة، أطلقت الحكومة حملة “Be Ready” التي توصي المواطنين بتخزين الغذاء والماء والبطاريات والمصباح اليدوي وبعض النقود لمدة ثلاثة أيام على الأقل. أما ألمانيا، فرفعت سقف التوصية إلى عشرة أيام، بمعدل لترين من السوائل للفرد يومياً، في إطار استراتيجية الدفاع المدني.

وفي هولندا، رُفعت التوصية من ثلاثة أيام إلى ثمانية أيام، مع تحذيرات صريحة من انقطاع الخدمات اللوجستية بسبب الهجمات الإلكترونية. وتوصي فرنسا بتجهيز حقيبة طوارئ لمدة ثلاثة أيام تشمل الماء والغذاء غير القابل للتلف والأدوية والنقود. أما السويد، فتوصي بتخزين مؤن أسبوع كامل، محذّرة من أن الوضع الأمني هو “الأكثر خطورة منذ الحرب العالمية الثانية”. وتتبع النرويج وفنلندا وإستونيا وسويسرا التوصية ذاتها المتمثلة في أسبوع واحد، بينما تكتفي بلجيكا والدنمارك وبولندا ولاتفيا وليتوانيا وأيرلندا بإرشادات لمدة ثلاثة أيام.

في آسيا، توصي اليابان بتخزين الغذاء والماء لمدة ثلاثة أيام على الأقل، ويفضل أسبوع، وذلك بشكل رئيسي للاستجابة للزلازل والكوارث الطبيعية. وتوصي منطقة تايوان بتخزين مؤن أسبوع واحد. وتشمل قائمة الـ33 دولة أيضاً الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وتشيلي وكولومبيا والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا وإسرائيل والهند والفلبين وسنغافورة وأستراليا ونيوزيلندا.

بعيداً عن تخزين الأفراد، تشهد الساحة الدولية موجة موازية من بناء الاحتياطيات الاستراتيجية الوطنية، خصوصاً في مجال الطاقة. فبعد صدمة الإمدادات الناجمة عن حرب إيران، أمرت الهند شركة النفط والغاز الطبيعية المملوكة للدولة ببناء احتياطي نفطي استراتيجي جديد في مانغالور بسعة نحو 13 مليون برميل، بهدف رفع قدرتها الاحتياطية التي تكفي 8 أيام فقط حالياً.

وتخطط باكستان لبناء أول احتياطي نفطي استراتيجي في البلاد، بهدف أولي لتغطية 45 يوماً، وتسعى للحصول على تعاون من السعودية والكويت وقطر والإمارات والصين. ووافقت جنوب أفريقيا على مشروع سياسة احتياطي النفط الاستراتيجي الذي يلزم شركة النفط الوطنية بالاحتفاظ باحتياطي يعادل 60 يوماً من صافي الواردات، بهدف طويل الأجل يصل إلى 90 يوماً.

وتخطط بنغلاديش لرفع قدرتها من نحو 60 يوماً إلى 90 يوماً بحلول 2027، بينما تخطط الفلبين لبناء احتياطيها الاستراتيجي بسعة أولية نحو مليون برميل، على أن يكتمل في نهاية 2027 أو أوائل 2028. كما تعمل المغرب وفيتنام على توسيع أو بناء مرافق تخزين الوقود، وأعلنت أستراليا عن استثمار 7 مليارات دولار للاحتفاظ باحتياطي وقود لا يقل عن 50 يوماً.

و يرى محللون أن هذا التوجّه يعكس ثلاثة عوامل متراكبة: أولاً، تصاعد المخاطر الجيوسياسية بعد حرب إيران والتوتر في البحر الأحمر، وما فرضته من تهديدات لسلاسل الإمداد العالمية؛ ثانياً، تزايد الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الحيوية، وهو ما دفع دولاً مثل هولندا إلى رفع مدة التخزين تحسباً لانقطاع الخدمات اللوجستية؛ ثالثاً، تحوّل مفهوم “الاستعداد” من قضية عسكرية بحتة إلى سياسة مدنية شاملة تهدف إلى تعزيز مرونة المجتمع أمام الصدمات.

غير أن هذه الموجة تثير أيضاً أسئلة حول حدودها: فهل يؤدي التخزين الجماعي إلى تفاقم تقلبات الأسعار وندرة السلع؟ وهل تتحول إرشادات الطوارئ إلى أداة نفسية تعزز الخوف بدل أن تعزز الأمان؟ الإجابة ستتحدد خلال الأشهر المقبلة، مع اختبار مدى جدية الحكومات في تحويل هذه التوصيات إلى بنية تحتية حقيقية للاستعداد المدني.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً