لم تعد الألياف الضوئية في الجزائر مجرد “خيار تقني” لتحسين جودة تدفق البيانات، بل تحولت في غضون سنوات قليلة إلى “خيار استراتيجي” يحدد ملامح السيادة الرقمية ومصير البلاد الاقتصادي. ومن خلال تتبع التسلسل الزمني لهذا التحول، ندرك كيف انتقلت الجزائر من مرحلة “فك العزلة” إلى مرحلة “الريادة التكنولوجية” في المنطقة.
بدأت الرحلة بإدراك الدولة أن شبكات النحاس القديمة (ADSL) أصبحت عائقاً أمام التنمية، مما دفع الحكومة لإطلاق مخطط استعجالي لتعويض الكوابل النحاسية بالألياف الضوئية (FTTH). وكان الهدف الأولي هو كسر حاجز المليون مشترك، مع التركيز على المدن الكبرى والأقطاب الجامعية، لضمان استمرارية الخدمة العمومية والتحول الرقمي المنشود.
وشهدت هذه المسيرة “القفزة الكبرى” بانتقال “اتصالات الجزائر” من وتيرة ربط محدودة إلى ورشات مفتوحة عبر 58 ولاية؛ حيث نجحت الجزائر بنهاية عام 2024 في تخطي عتبة 2.5 مليون منزل موصول بالألياف الضوئية، مما مهد الطريق نحو تحقيق السيادة القارية في مجال الاتصالات.
وبالتوازي مع الربط المنزلي، عززت الجزائر موقعها كـ “محور رقمي أفريقي” من خلال مشروع كابل الألياف الضوئية العابر للصحراء، الذي يربط الجزائر بالنيجر ونيجيريا وتشاد ومالي، مما جعل من البنية التحتية الجزائرية شرياناً حيوياً يغذي القارة السمراء بالبيانات. ومع مطلع العام الجاري 2026، أعلن وزير البريد والمواصلات عن تحقيق 3 ملايين مشترك في تقنية (FTTH)، وهو رقم يمثل “نقطة التحول” في تغيير مصير الجزائر الاقتصادي.
إن وصول الألياف الضوئية إلى ولايات الجنوب، مثل تيميمون وبرج باجي مختار، مكّن المواطن في أقصى الصحراء من امتلاك نفس أدوات المواطن في العاصمة للمساهمة في الاقتصاد الرقمي. كما شجعت السرعات العالية، التي تصل إلى 1 جيجابت، الشركات العالمية على توطين بياناتها (Data Centers) داخل الجزائر، مما عزز الأمن القومي المعلوماتي وخلقت بيئة حاضنة للذكاء الاصطناعي والمدن الذكية بفضل زمن استجابة (Latency) منخفض جداً.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الجزائر تتجه بخطى ثابتة نحو “الاستغناء الكلي عن النحاس” بحلول عام 2027، وهو انتقال سيغير خارطة الشغل عبر “العمل عن بُعد” وتطوير “التجارة الإلكترونية”. إن الألياف الضوئية هي “السكك الحديدية” للقرن الحادي والعشرين؛ فكما ربطت القطارات المدن في الماضي، تقوم الألياف اليوم بربط العقول الجزائرية بالعالم، محولةً البلاد من مستهلك للمحتوى إلى منتج ومصدّر للخدمات الرقمية.
وبهذا الزخم المتسارع، تتأهب الجزائر لتتحول إلى “عصب القارة السمراء” في مجال الألياف البصرية؛ فهي لم تعد تكتفي بتأمين حاجياتها المحلية فحسب، بل أصبحت بمثابة “البوابة الرقمية” والقلب النابض لتدفق البيانات بين أفريقيا وأوروبا. هذا الموقع الجيوسياسي الرقمي الجديد يضع الجزائر كمركز دولي لتخزين وتمرير البيانات، مما يجعلها المورد الأول للحلول التكنولوجية والربط عالي التدفق لدول الجوار، ويرسخ مكانتها كقوة ضاربة في اقتصاد المعرفة القاري.

